التأمين بمعناه الحقيقي المتعارف عليه عقد حديث النشأة في العالم, فهو لم يظهر إلا في القرن الرابع عشر الميلادي في إيطاليا حيث وجد بعض الأشخاص الذين يتعهدون بتحمل جميع الأخطار البحرية التي تتعرض لها السفن أو حمولتها نظير مبلغ معين ( التأمين البحري ) ، ثم ظهر بعده التأمين من الحريق ، ثم التأمين على الحياة ،ثم انتشر بعد ذلك وتنوع حتى شمل جميع نواحي الحياة.
تعريف التأمين:لغة:
التأمين: من مادة أمن يأمن أمنًا ، إذا وثق وركن إليه ، وأمّنه إذا جعله في الأمن فكان بذلك آمنًا ، يقال أمّن على ماله عند فلان تأمينًا أي جعله في ضمانه ، وهو ضد الخوف قال الله تعالى: ( وآمنهم من خوف ) سورة قريش /4 .
واصطلاحًا:
نظام التأمين , وفقًا لنظريته العامة في نظر الاقتصاد هو: نظام تعاقدي يقوم على أساس المعاوضة ، غايته التعاون على ترميم أضرار المخاطر الطارئة بوساطة هيئات منظمة تزاول عقوده بصورة فنية قائمة على أسس وقواعد إحصائية .
وينقسم التأمين من حيث الشكل إلى قسمين:
التأمين التجاري ويسمى: ذا القسط الثابت: وهو عقد بين طرفين أحدهما يسمى المؤمِّن - بكسر الميم المشددة - والثاني المؤمَّن له - بفتح الميم المشددة- أو المستأمِن ، يلتزم فيه المؤمِّن بأن يؤدي إلى المؤمَّن لمصلحته مبلغًا من المال ، أو إيرادًا مرتبًا ، أو أي عوض مالي آخر في حالة وقوع الحادث ، أو تحقق خطر مبيّن في العقد ، وذلك في مقابل قسط أو أية دفعة مالية أخرى يؤديها المؤمَّن له إلى المؤمِّن .
وهذا النوع من التأمين ( التجاري ) محرم ولا يجوز، وسبب تحريمه أنه لا يخلو من:
أولًا- الربا: لأن ما تدفعه الشركة من تعويض للعميل الذي وقع عليه الضرر قد يكون أقل أو أكثر من الأقساط التي دفعها العميل للشركة، وقد يكون مساويًا لها وهذا نادر ، كما أن الشركة يكون دفعها متأخرًا عن القسط المدفوع لها، فإن كان التعويض أكثر من الأقساط أو أقل كان فيه ربا الفضل والنسيئة ، وإن كان مساويًا ففيه ربا النسيئة وكلاهما حرام .
ثانيًا - الغرر: وهو عنصر لازم لعقد التأمين, لأن التأمين لا يكون إلا من حادث مستقبل غير محقق الوقوع ، أو غير معروف وقوعه .
ثم إن الغرر في التأمين كثير وليس بيسير أو متوسط, لأن من أركان التأمين الخطر ، وهو حادث محتمل لا يتوقف على إرادة العاقدين ، والمؤمن له لا يستطيع معرفة ما يأخذ ويعطي وقت العقد .
ويفهم من اشتمال التأمين على الغرر اشتماله أيضًا على الجهالة, والجهالة في البدلين ظاهرة في التأمين, وهي جهالة مقدار ما يدفعه كل من طرفي العقد ( المؤمِّن والمستأمِن ) للآخر، وهو قابل للكثرة والقلة، وكل هذا يجعل الجهالة فاحشة كثيرة تؤدي إلى إبطال العقد.
فائدة:
الغرر المؤثر في العقود: كونه في عقد المعاوضة، وكونه كثيرًا، وكون المعقود عليه أصالة، وألا تدعو إلى العقد الحاجة المتعينة, عامة أو خاصة. والتأمين التجاري عقد معاوضة والغرر فيه كثير، والمعقود عليه أصالة، ولا تدعو إليه الحاجة المتعينة لأنه يمكن الاستغناء عنه بالتأمين التعاوني.
ثالثًا - ومن أسباب التحريم اشتماله على القمار, لما فيه من المخاطرة في معاوضات مالية، ومن الغرم بلا جناية أو تسبب فيها، ومن الغنم بلا مقابل، أو مقابل غير مكافئ، فإن المستأمِن قد يدفع قسطًا من التأمين، ثم يقع الحادث، فيغرم المؤمِّن كل مبلغ التأمين، وقد لا يقع الخطر، فيغنم المؤمن أقساط التأمين بلا مقابل، وإذا استحكمت فيه الجهالة كان قمارًا، ودخل في عموم النهي عن الميسر في قوله تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون، إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون ) سورة المائدة / 90-91
رابعًا - أخذ مال الغير بلا مقابل، وأخذ المال بلا مقابل في عقود المعاوضات التجارية محرم، لدخوله في عموم النهي في قوله تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ) سورة النساء / 29
خامسًا - لما فيه من الإلزام بما لا يلزم شرعًا، فإن المؤمِّن لم يحدث الخطر منه ، ولم يتسبب في حدوثه ، وإنما كان منه مجرد التعاقد مع المستأمِن على ضمان الخطر على تقدير وقوعه مقابل مبلغ يدفعه المستأمن له ، والمؤمن لم يبذل عملًا للمستأمن فكان حرامًا .
ولهذه الأسباب وغيرها قرر مجلس المجمع الفقهي بالإجماع ، كما قرر مجلس هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية بالقرار رقم (51) وتاريخ 4/4/1397هـ ، تحريم هذا النوع من التأمين ، وجواز التأمين التعاوني .
التأمين التعاونيإن المتأمل في أكثر بلاد المسلمين لا يرى أثرًا لوجود بيت مال المسلمين، أو أنه موجود ولكنه لا يقوم بواجبه في مجال التأمين ، فماذا يفعل المسلم ؟ وهل يظل يعيش تحت ضغط الخوف من كل مفاجأة ؟ وهل كتب على المسلم إذا أراد أن يكون ملتزما بالإسلام أن يظل في قلق دائم حتى إذا حلت به مصيبة لم يستطع التغلب عليها وعاش في ضيق شديد ، وربما شغلته عن عبادته فضلًا عن واجباته الإسلامية الأخرى ..
فهل يتحمل المسلم سيئات عدم تطبيق النظم الإسلامية في كل شؤون الحياة..؟ لا نريد الاستطراد, ولكننا نريد أن نتحدث في هذا المجال عن التأمين التعاوني ليس باعتباره حلًا بديلًا مؤقتا يمكن أن يلجأ إليه المسلمون ، ولكن أيضًا باعتباره وسيلة من وسائل تنظيم التكافل الإسلامي على أسس تتوافق تمامًا مع الأسس الشرعية للتكافل والتعاون.
فما هو التأمين التعاوني؟يقوم هذا النوع على فكرة التعاون بين مجموعة من الأفراد يكوّنون جمعية ما ، حيث يتحملون جميعًا مخاطر الكوارث والتعويض عنها ، عن طريق توزيع ذلك التعويض بينهم بما يخفف من آثاره وعبئه على الفرد ، وبمعنى آخر هو اتحاد يقوم بموجبه المؤمن لهم أنفسهم بالتعهد بدفع اشتراكات دورية وفق جدول متفق عليه لتغطية الخسائر التي يتعرض لها بعضهم في حالات معينة محتمل حدوثها في المستقبل , ويكون هذا على سبيل التبرر والتبرع .
فقد يقوم أهل حرفة واحدة أو أهل نمط واحد من أنماط العيش كأصحاب السيارات الخاصة مثلًا ، أو أصحاب السيارات الأجرة أو أهل النقابة حيث تضمن هذه الفئة أو هذه النقابة درء الخطر النازل على أحد المشتركين فيها .
ومعنى ذلك أن يكون المستأمن هو في الوقت نفسه مؤمِّن بالميم المشددة المكسورة, فهو يؤمن غيره ونفسه، وغيره يصنع صنيعه ، ولذلك سمي بالتأمين التبادلي التعاوني ، ويكون جميع المشتركين هم أصحاب الجمعية، أو الاتحاد، أو الشركة فيحافظ كل منهم عليها ، ويعمل على تقويتها ، وقد يتبرع الرجل بعمله في تنظيم الدفاتر وقيد الحسابات ، وهذا المناخ يمنع التحايل للابتزاز وأخذ مال غير مستحق, كما يحصل في شركات التأمين التجاري .
ويمكن أن يقوم هذا التأمين في كل موقع عمل أو تجمع بين الزراع ، أو بين مالكي المصانع، أو بين العمال، أو التجار، أو أصحاب العقارات وهكذا ،بحيث يؤلف كل جماعة فيما بينهم اتحادًا يؤمنهم تأمينًا شاملًا ، حسب النظام الذي يرتضونه .
هل لهذا النوع من التأمين أصل شرعي؟