ج /التأمين بصورته التي نتحدث عنها أسلوب جديد في التعاون,قد يُستأنس له بما رواه البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( إن الأشعريين إذا أرملوا - أي نفد زادهم- في الغزو أو قلّ طعام عيالهم بالمدينة جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد ثم اقتسموا بينهم في إناء واحد بالسوية, فهم مني وأنا منهم)
ويمكن أن تقتصر جمعيات أو اتحادات التأمين التبادلي على جمع الأقساط وسداد التعويضات ، ويمكن استثمار المال المجمع في عمليات مشروعة مربحة وهذا الربح يمكن أن يمد رواقه على جوانب شتى تحتاج إلى التأمين ، فيغني غناء كاملًا عن التعامل مع شركات التأمين التجاري (1) .
وبناءً على ما سبق يمكن تأسيس شركة مساهمة ، أو محدودة المسؤولية ، ويفضل أن يكون البنك الإسلامي من مؤسسيها ، يكون غرضها مزاولة أعمال التأمين التعاوني وإعادة التأمين ، وللشركة أن تستثمر فائض رأسمالها وأموالها في المشروعات التجارية أو الصناعية أو الزراعية بأي طريق مشروع كالمضاربة مثلًا .
ويسير نشاط الشركة في خطين متوازيين ، هما:
1-القيام بأعمال التأمين ، اعتمادًا على أقساط التأمين المحصلة . ومنها تدفع التعويضات .
2-استثمار فائض الأموال ، في أوجه الاستثمار الجائزة شرعًا .
ولما كان فائض الأموال،قد ينسحب إلى زيادة الأقساط المحصلة عن التعويضات المدفوعة واحتياطي العمليات السارية ، فإن الأرباح الناشئة عن الاستثمار يجب أن تعود إلى المساهمين وإلى المؤمنين ، كل بقدر مساهمة أمواله في الاستثمار .
ونظرًا لأن مصروفات الإدارة تكون مشتركة - أي غير مفروزة - بين ما يتعلق بالمساهمين وما يتعلق بالمؤمنين ، سواء في النشاط الاستثماري أو خدمات التأمين فيتعين النص في القانون النظامي للشركة على ما يلي:-
1-الأساس الذي يتبع في توزيع الاستثمار بين فريقي المساهمين والمؤمنين .
2-قواعد تقسيم المصروفات المشتركة ، أو تركها لمجلس الإدارة في ختام السنة المالية .
3-كيفية التصرف في صافي الفائض الذي يخص المؤمنين . إما بتوزيع جزء عليهم وعمل احتياطي خاص بهم بالباقي ، أو تحويله كله إلى ذلك الاحتياطي ، وذلك على هدى ما تقرره الجمعية العمومية ووفق نسب أقساط التأمين التي دفعوها .
4-كيفية التصرف في صافي الفائض الذي يخص المساهمين ، على أن التوزيع بينهم على حسب عدد الأسهم التي يتملكها كل مساهم من رأس المال (2) .
متى يكون التأمين التعاوني شرعيا؟
تقدم أن التامين التعاوني بديل شرعي عن التأمين التجاري، ولكن الأمر التبس على الناس حتى أصبح إضافة اسم التعاوني إلى شركات التأمين التجاري يعني شرعيتها أمام المساهمين ، وحقيقة الأمر ليس كذلك، فهناك ضوابط للتأمين التعاوني في حال اختلالها يفقد التأمين صفة التعاونية الشرعية ومصداقيته , كما أن هناك فروقًا بين التأمين التعاوني والتجاري .
1-ضوابط التأمين التعاوني:
أ- لابد أن يكون المقصود من التأمين التعاوني التبرع لا الاتجار والربح, وذلك أن النية تفرق بين معاملتين صورتهما واحدة فتكون إحداهما مشروعة والأخرى ممنوعة , ومثال ذلك تحريم مبادلة نقد بنقد إلا تقابضًا ولا يجوز التأخير، وإلا كان ربا, بخلاف القرض فإنه مبادلة نقد بنقد مع التأخير , وإنما جازت الصورة الأخيرة لأن النية فيها الإرفاق، بينما الأولى النية فيها المعاوضة، ففرقت النية بين معاملتين صورتهما واحدة
ب- أن يكون المساهمون شركاء حقيقيين في شركة التأمين التعاوني، فيعود عليهم الربح والخسارة، وإلا عادت الصورة إلى التأمين التجاري .
ج - أن يكون القيام بأعمال التأمين اعتمادًا على أقساط التأمين المحصلة ,وريع استثماراتها ومنها تدفع التعويضات .
د - أن يكون استثمار أموال الشركة التعاونية في أمور مشروعة خالية من الربا أو المعاملات المحرمة.
الفروق بين التأمين التجاري والتأمين التعاوني
التأمين التجاري
…التأمين التعاوني
1)المقصود منه الاسترباح والاستغلال وابتزاز الأموال، فالفكرة الاسترباحية هي الأساس ، فالتأمين التجاري إذن من عقود المعاوضات المالية . …1) المقصود منه التبرع، وتفتيت الخطر ، وتخفيف الخسائر ، فهو من عقود التبرعات المبنية على التعاون والتسامح ، ولا يستهدف تحقيق الأرباح .
2)بما أن التأمين التجاري من عقود المعاوضات المالية فإن:
الغرر والجهالة عنصران لازمان لعقد التأمين التجاري يؤثران فيه تأثيرهما في عقود المعاوضات ، وإنما يغتفر اليسير منهما إلا أنهما في هذا النوع من التأمين يصلان إلى إبطال العقد لكثرتهما وفحشهما، وقد نهى النبي صلى الله عليه و سلم عن بيع الغرر، كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه. …2) بما أن التأمين التعاوني من عقود التبرعات فلا يؤثر فيه الغرر والجهالة.
3)الفائض من التزامات صندوق التأمين التجاري يعتبر ربحًا لشركة التأمين التجارية ، وكذلك في حال عدم حصول الخطر . …3) الفائض من التزامات صندوق التأمين التعاوني يعود إلى المشتركين كل بحسب نسبة اشتراكه .
4)في حال وجود عجز في الصندوق يعتبر خسارة على شركة التأمين التجارية وعليها الالتزام بتغطية هذا العجز من رأسمالها أو من احتياطاتها حيث تعتبر هذه الخسارة دينًا على الشركة .…4) في حال وجود عجز يتعين
على المشتركين سداده كلٌ بقدر نسبة اشتراكه .
5)لشركة التأمين التجارية رأس مال تضع القوانين حدًا أدنى له غير ما يدفعه المساهمون.…
5)رأس مالها هو اشتراكات الأعضاء.
6)يكون في الشركة التجارية مساهمون يتقاضون أرباحًا على أسهمهم ويكونون هم المؤمِّنين والعملاء هم المؤمَّن لهم. …6) ليس فيها مساهمون فأعضاؤها يمثلون، ( المؤمِّن _ والمؤمَّن لهم ) في نفس الوقت .
إشكالات ترد على التأمين التعاوني في صورته الحالية:
الإشكال الأول: من المعلوم ان المساهم في التأمين التعاوني متبرع فكيف يعود عليه ما تبرع به إذا وقع الخطر ؟
والجواب _ أن المتبرع إذا تبرع لجماعة وصفت بصفة معينة فإنه يدخل في الاستحقاق مع هذه الجماعة إذا توافرت فيه هذه الصفة, كمن تبرع لطلاب العلم فإنه يستحق نصيبًا في هذا التبرع إذا طلب العلم ومن تصدق أو وقف على فقراء مكة دخل فيهم واستحق معهم إذا صار فقيرًا وعلى ذلك فتبادل القسط أو الاشتراك في هذه الجمعيات لا يعارض مبدأ التبرع.
الإشكال الثاني: يوجد غرر في التأمين التعاوني حيث إن المساهمين لا يعلمون مقدار ما قد يعود عليهم من النفع عند وقوع الخطر ؟
والجواب _ لا يضر جهل المساهمين في التأمين التعاوني بمقدار ما يعود عليهم من النفع, لأنهم متبرعون, فلا مخاطرة ولا غرر ولا مقامرة, لأن المتبرع أصلًا لا ينتظر عوضًا على تبرعه فتزول هذه الإشكالية.
الإشكال الثالث: كيف نقول إن المساهم في التأمين التعاوني متبرع مع:
أ) عدم تمكنه من العدول بما تبرع به.
ب) إلزامه بسداد ما عجز الصندوق عن الوفاء به.
والجواب: أنه لا إشكال فيهما لأن المتبرع التزم ابتداء بالتبرع, وسداد العجز الذي قد يحصل, فيلزمه الوفاء بذلك ، وهذا أصل معمول به شرعًا أصله النذر والوفاء بالوعد في التبرعات ، ومن مكارم الأخلاق ما هو لازم (3)