والجواب عن هذا: أن جمهور أهل العلم يجيزون ضمان المجهول وضمان المعدوم ، لأن مآله العلم إذا وقع ، والإلزام بأثر الضمان لا يتم إلا بوقوع مقتضاه ، ومتى وقع حصل العلم بمقداره ، وقد نص على جواز ضمان المعدوم والمجهول مجموعة من أهل العلم منهم: شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وغيرهما من المحققين من الفقهاء ، فقد جاء في الاختيارات الفقهية لشيخ الإسلام ابن تيمية جمع علاء الدين البعلي صفحة 132 ما نصه:"ويصح ضمان المجهول ومنه ضمان السوق -إلى أن قال- ويصح ضمان حارس ونحوه وتجار حرب بما يذهب من البلد أو البحر وغايته ضمان مجهول وما لم يجب وهو جائز عند أكثر أهل العلم مالك وأبي حنيفة وأحمد"أهـ .
وخلاصة القول فيما ذكر ما يلي:
1-التأمين نازلة اقتصادية من نوازل العصر اقتضاها حماية المال وحفظه .
2-التأمين موضوع جديد لا عهد لفقهائنا الأقدمين به وقد جرى بحثه والنظر في حكمه من حيث الجواز أو المنع لدى مجموعة من المجالس والمجامع الفقهية والندوات والحلقات العلمية ولدى مجموعة من الفقهاء ومن مجموعة من الهيئات الرقابية للمؤسسات المالية الإسلامية .
3-اختلف العلماء في حكمه فمنهم من حرمه مطلقا ومنهم من أجازه مطلقًا ومنهم من فصل في ذلك فأجاز بعضه وحرم البعض الآخر .
4-ذهب جمهور فقهاء العصر إلى تقسيم التأمين إلى تأمين تعاوني جائز وتأمين تجاري محظور وذكر القائلون بهذا التقسيم وجه القول بجواز التأمين التعاوني ووجه القول بحرمة التأمين التجاري ، وممن قال بهذا هيئة كبار العلماء ومجمع الفقه الإسلامي بمكة المكرمة ،ومجمع الفقه الإسلامي بجدة .
5-استند القائلون بإجازة التأمين التعاوني على أنه تبرع وتعاون وليس من عقود المعاوضات فهو تأمين خال من الربا والقمار والغرر والجهالة وجرى نقاش ذلك بما أزال جسور التفريق بينه وبين التأمين التجاري .
6-أن محل العقد ضمان الأمن والسلامة للمؤمن له وليس معاوضة نقود بنقود حيث انتفى بهذا التوجيه القول بأن التأمين يشتمل على الربا والقمار والغرر والجهالة .
7-الجواب على الإيرادات على القول بضمان الأمن من حيث إن الأمن أمر معنوي ليس محل معاوضة وفي نفس الأمر لا يملكه المؤمن كما لا يجوز أخذ الأجرة على الضمان . وضمان المجهول وما لم يقع محل خلاف بين أهل العلم.
وبعد فرأيي في أن موضوع التأمين موضوع ذو أهمية بالغة من حيث حصول البلوى به في غالب مجالات حياتنا ، وأنه نازلة عصرية يجب تكثيف الجهود لبحثه من قطاعات علمية ومهنية مختلفة ، ومن جهات ذات اختصاص ، وممن هم أهل لبحثه من حيث المقدرة الفقهية والتمكن الاقتصادي وبُعد النظر من حيث التدبر والاعتبار والتصور والقدرة على تطبيق الأحداث والنوازل على أحكامها الشرعية ، وأن يكون ذلك في محيط قواعد الإسلام العامة وثوابته الجلية وفي محيط التطبيقات الميدانية مع الأخذ في الاعتبار والنظر أن الأصل في المعاملات الإباحة استئناسًا بقوله e: ( أنتم أعلم بشؤون دنياكم) . وأن ما تتحقق به مصالح المسلمين وحفظ أموالهم أمر مشروع . مع التقيد بآداب النقاش والبحث عن الحقيقة بحيث يلتزم الباحث التجرد عن التعصب لقول معين حتى تظهر وجاهته واعتبار صحته انطلاقًا من مبدأ: الحكمة ضالة المؤمن ، ومن مبدأ: الرجال يعرفون بالحق لا أن الحق يعرف بالرجال .
والله المستعان وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
معالي الشيخ/صالح بن عبد الله بن حميد رئيس مجلس الشورى وخطيب الحرم المكي 6/11/1423
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين ، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين . أما بعد فهذا بحث مختصر في التأمين التعاوني الإسلامي ، اقتصرت فيه على الكلام على التأمين التعاوني وما يتعلق به، أما ما يتعلق بأصل التأمين من حيث تعريفه ، وأركانه ، وعناصره، وأنواعه ، وأغراضه ، وغير ذلك من مباحثه الطويلة ، فقد اكتفيت بما قدمته اللجنة الدائمة الموقرة في بحثها المستفيض وقصدت أن يكون هذا استكمالًا وبسطًا لمسألة التأمين التعاوني ، تحريرًا ، وبيانًا للأوصاف المؤثرة في الحكم بإذن الله ، مع إبراز الفوارق بينه وبين التأمين التجاري ، ذلك أن الهيئة في قرارها ذي الرقم 51 والتاريخ4/4/1397هـ لم تتطرق إلى تعريف التأمين التعاوني ولم تفصل القول فيه ، فرأيت البحث فيه بما يبين ضوابطه ، وشروطه وأوصافه التي تميزه عن أنواع التأمين الأخرى.
وسوف يشتمل البحث على مقدمة وأربعة مباحث وخاتمة:
المبحث الأول: التعريف وفيه مسألتان.
-المسألة الأولى: تعريف التأمين بصفة عامة.
-المسألة الثانية: تعريف التأمين التعاوني .
المبحث الثاني:المؤثرات في الحكم وفيه ثلاثة مسائل.
-المسألة الأولى: مبدأ التعاون.
-المسألة الثانية: الغرر.
-المسألة الثالثة: القصد التجاري .
المبحث الثالث: في توصيف التأمين التعاوني وتكييفه الفقهي وفيه مسألتنا.
-المسألة الأولى: في توصيف التأمين التعاوني .
-المسألة الثانية: في تكييفه الفقهي
المبحث الرابع: في خصائص نوعي التأمين والفروق بينهما وفيه ثلاث مسائل.
-المسألة الأولى: خصائص التأمين التجاري .
-المسألة الثانية: خصائص التأمين الإسلامي .
-المسألة الثالثة: الفروق بين التأمينين .
الخاتمة: وتتضمن توصيات ونتائج.
مقدمة:
تقول الدراسات المعاصرة: إن مما تقاس به درجة التقدم الاقتصادي لأي دولة يعتمد في المقام الأول على درجة تقدم صناعتي المصارف والتأمين وتطورهما ، فثمّت ارتباط وثيق وعلاقة قوية بين الصناعتين، وازدهارهما ينعكس على توازن ميزان المدفوعات الخاص بكل دولة ، باعتبارهما من الخدمات غير المنظورة التي لها أثر إيجابي ملموس على اقتصاد الدولة ومركزها المالي.
ولقد أصبحت خدمات التأمين في الوقت الحاضر تشغل حيزًا كبيرًا من اهتمام رجال الأعمال في الأنشطة التجارية والصناعية والخدمية وغيرها ، نظرًا لاعتمادهم الكبير عليها في تهيئة حالة الطمأنينة والأمان لمشروعاتهم بمختلف أنواعها ، وللعاملين لديهم ولأسرهم ، ولأنفسهم من المخاطر التي يتعرضون لها مثل: الحريق ، والسرقة ، والسطو ، وخيانة الأمانة ، والاختلاس ، والتلف ، والغرق ، والانهيار (1) .
ومن ذلك يتبين أن التأمين هو أحد الوسائل الحديثة الكبرى المهمة الداخلة في منظومة التنظيم الاقتصادي والمالي، فله دوره المتعاظم في التطور الصناعي ، والزراعي ، والتجاري ، وسائر الأنشطة الاقتصادية ، بل لقد أصبحت صناعة التأمين تضاهي إن لم تفق العمل المصرفي .
وفي نظرة تاريخية فإن التأمين قام على اكتشاف مبدأ اجتماعي علمي نافع ، يتمثل في أن الأفراد بكلفة قليلة يمكنهم أن يتخلصوا من عبء الخسارة الناجمة عن الكوارث التي يمكن قياس احتمال حدوثها على وجه الدقة أو التقريب إذا كانت المجموعة البشرية كثيرة العدد ، وهذا ليس مرغوبًا الانتفاع به فحسب ، بل إنه أمر متعين من أجل تحقيق التقدم والصدارة (2) .
وفيما يتعلق بالمسلمين في الوقت الحاضر وتوجههم نحو استعادة قوتهم وموقعهم باعتبارهم خير أمة أخرجت للناس ، فإن النظر في طريق المعاش وعمارة الأرض التي استعمرهم ربهم فيها واحد من هذه الميادين الذي يتعين أن يحظى بحقه من الإحياء والتنظيم والعناية بعد عنايتهم بأصل دينهم وعقيدتهم .