فهرس الكتاب

الصفحة 1150 من 1226

ومن البدهي أن النظر في حكم التأمين هو نظر جزء من كل ، ذلك أن التطبيق الكامل للشريعة الإسلامية يحقق التعاون والتكافل على أساس محكم لم يسبق له نظير، وإن توسع الدول الإسلامية في التأمينات الاجتماعية حتى تشمل جميع فئات الرعية التي تعجز مواردها عن مواجهة الأخطار أمر لا بد منه ، فإن الدولة الإسلامية في حكم الإسلام تلتزم بتأمين فرصة العمل لكل قادر عليه ، وبتأمين العاجز عن العمل بإعطائه ما يكفيه في أكله ، وشربه ، وملبسه ، وسكنه ، حتى مركبه وعلاجه ، كما يرى بعض الفقهاء ، ولها في مورد الزكاة ما يقوم بذلك ، وإن لم تفِ الزكاة بذلك فلها أن تضع من المعالجات المشروعة ما يسد حاجة الفقراء ، و إعانة العجزة (3) .

المبحث الأول: في التعريف:

المسألة الأولى: تعريف عقد التأمين بصفة عامة.

يعرف عقد التأمين بصفة عامة باعتبارين:

1.باعتباره عقدًا:

"عقد يلتزم المؤمن بمقتضاه أن يؤدي إلى المؤمن له أو المستفيد الذي اشترط التأمين لصالحه مبلغًا من المال ، أو إيرادًا مرتبًا ، أو أي عوض مالي آخر في حالة وقوع الحادث ، أو تحقق الخطر المبين في العقد ، نظير قسط ، أو أي دفعة مالية يؤديها المؤمَّن له للمؤمِّن."

2.ويعرف باعتبار أثره الاقتصادي والاجتماعي:

نظام تقوم به هيئة منظمة ، على أساس المعاوضة أو التعاون وتديره بصورة فنية قائمة على أسس الإحصاء وقواعده ونظرياته ، تتوزع بمقتضاه الحوادث أو الأخطار وترمم به الأضرار (4) .

-المسألة الثانية: تعريف التأمين التعاوني:

اشتراك مجموعة من الناس بمبالغ بغير قصد الربح على جهة التبرع تخصص لتعويض من يصيبهم الضرر منهم ، وإذا عجزت الأقساط عن التعويض دفع الأعضاء أقساطًا إضافية لتغطية العجز ، وإن زادت فللأعضاء حق استرداد الزيادة (5) .

وهو تأمين تعاوني لأن غايته التعاون في دفع الأخطار وليس الربح والكسب المادي.

كما يسمى بالتأمين التبادلي لأن الأعضاء المشتركين مؤمنون ومؤمَّن لهم في آن واحد ، فليس بينهم وسيط ، أو مساهمون يتقاضون أرباحًا على أسهمهم.

ويسمى أيضًا التأمين بالاكتتاب: لأن ما يدفعه العضو هو اشتراك متغير وليس قسطًا ثابتًا (6) .

ومن التعريف السابق يتبين أن التأمين التعاوني نوع من التأمين يقوم به أشخاص يتعرضون لنوع من المخاطر ، يكتتبون على سبيل الاشتراك بمبالغ نقدية تخصص لأداء التعويض المستحق لمن يصيبه منهم الضرر ، فإن لم تف الأقساط المجموعة طولب الأعضاء باشتراك إضافي لتغطية العجز ، وإن زادت عما صرف من تعويض كان للأعضاء حق استرداد هذه الزيادة ، وكل واحد من أعضاء هذه الجمعية يعتبر مؤمِّنا ومؤمنًا له.

والغرض من ذلك درء الخسائر التي تلحق بعض الأعضاء بتعاقدهم على توزيعها بينهم .

وهي أشبه بجمعية تعاونية تضامنية لا تهدف إلى الربح (7) .

وهو يدخل في كل النشاطات التأمينية في مختلف الأخطار المحتملة من الحريق ، والحوادث ، وفي النقل البري والبحري والجوي ، وفي كل أنواع الأموال ، ما عدا التأمين على الحياة.

وقد تطور التوسع فيه بحيث أصبح يجمع أعدادًا غفيرة تتعرض لأخطار متعددة دون أن يعرف بعضهم بعضًا .

ولئن كان التأمين في مبدأ نشأته يقوم على اكتتاب يحصل من المشاركين فقد تطور على أساس قسط ثابت نسبيًا يدفع مقدمًا وبانتظام.

وبعد إيراد تعريف التأمين التعاوني يحسن إيراد تعريف خاص بالتأمين الإسلامي.

أولًا: تعريف التأمين الإسلامي باعتباره نظامًا:

"تعاون مجموعة من الناس يسمون: ( هيئة مشتركة يتعرضون لخطر أو أخطار معينة من أجل تلافي آثار الأخطار التي يتعرض لها أحدهم أو بعضهم بتعويضه عن الضرر الناتج من وقوع هذه الأخطار ، وذلك بالتزام كل منهم على سبيل التبرع(8) وبغير قصد الربح بدفع مبلغ معين ( يسمى القسط) أو (الاشتراك) تحدده وثيقة التأمين أو عقد الاشتراك ، أو تتولى شركات التأمين الإسلامية إدارة عمليات التأمين واستثمار أمواله نيابة عن هيئة المشتركين في مقابل حصة معلومة من عائد استثمار هذه الأموال باعتبارها مضارِبًا ، أو مبلغًا معلومًا باعتبارها وكيلًا ، أو هما معًا بما يتفق مع أحكام الشريعة الإسلامية" (9) .

ثانيًا: تعريف التأمين الإسلامي باعتباره عقدًا:

"اتفاق بين شركة التأمين الإسلامي باعتبارها ممثلة لهيئة المشتركين وشخص" ( طبيعي أو اعتباري) على قبوله عضوًا في هيئة المشتركين ، والتزامه بدفع مبلغ معلوم يسمى"القسط"على سبيل التبرع منه ومن عوائد استثماره لأعضاء الهيئة بغير قصد الربح ، على أن تدفع الشركة نيابة عن هذه الهيئة من أموال التأمين التي تجمع منه ومن غيره من المشتركين ، التعويض عن الضرر الفعلي الذي أصابه من وقوع الخطر المعين ، وذلك في التأمين على الأشياء والتأمين من المسؤولية المدنية ، أو مبلغ التأمين ، وذلك في التأمين على الأشخاص على النحو الذي تحدده وثيقة التأمين ويبينه أسس النظام الأساسي للشركة حسب ما تقضى به أحكام الشريعة (10) .

-لقب"التأمين الإسلامي"بدلًا من"التأمين التعاوني".

من المستحسن أن يسمى التأمين الذي يتفق مع أحكام الشريعة الإسلامية بـ (التأمين الإسلامي) بدلًا من التأمين التعاوني أو التبادلي أو غيرها من التسميات التي قصدها الأساس التعاون والتكافل وليس الربح والتجارة ذلك أن هذه الأسماء من ( التبادلي أو التعاوني وأمثالها) : موجودة لدى غير المسلمين ولاسيما في بلاد الغرب التي هي أصل منشأ هذا النوع من التأمين ، وليست متطابقة مع الصيغة الإسلامية ذلك أن الشريعة تتطلب في هذا النوع من التعاون أو التكافل شروطًا وخصائص لا تتوافر في أنواع وصيغ التأمين التعاوني والتبادلي في الغرب (11) على ما سوف يتبين إن شاء الله.

المبحث الثاني: المؤثرات في الحكم.

ومن أجل استجلاء الحكم الشرعي للتأمين التعاوني يحسن الإشارة إلى مسائل ثلاث:

المسألة الأولى: مبدأ التعاون .

المسألة الثانية: الغرر .

المسألة الثالثة: القصد التجاري .

المسألة الأولى: مبدأ التعاون:

التأمين باعتباره فكرةً ونظامًا يقوم على التعاون والتضامن ، وذلك يجعله محققًا لمقاصد الشريعة متفقًا مع غاياتها وأهدافها ، غير أن الشريعة إذ جعلت التعاون غاية مطلوبة فقد بينت الطرق التي يتحقق بها هذا التعاون والتضامن ، ولم تترك ذلك لهوى الناس ، ومن ثم يخطئ من يستدل بمشروعية الغاية والهدف على جواز الوصول إلى هذه الغاية أو تحقيق ذلك الهدف بأي طريق ، فالشريعة الإسلامية عندما بينت الغايات والمقاصد حددت الوسائل المشروعة لهذه الغايات والمقاصد (12) .

وعلى هذا فإن التأمين بفكرته ونظامه هو تعاون منظم تنظيمًا دقيقًا بين عدد كبير من الناس معرضين جميعًا لخطر واحد حتى إذا تحقق الخطر في حق بعضهم تعاون الجميع على مواجهته بتضحية قليلة يبذلها كل منهم يتلافون بها أضرارًا جسيمة تحيق بمن نزل الخطر به لولا هذا التعاون . فهو تضامن يؤدي إلى تفتيت أجزاء المخاطر والمصائب وتوزيعها على مجموع المستأمنين عن طريق التعويض الذي يدفع للمصاب من المال المجموع من حصيلة أقساطهم ، بدلًا من أن يبقى الضرر على عاتق المصاب وحده (13) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت