فهرس الكتاب
ولا شك أن هذا القدر غير مختلف في حكمه ، ولكن يخطئ بعض الباحثين حين يقولون إن التأمين الذي يقوم عليه التأمين التجاري ليس إلا انضمامًا إلى اتفاق تعاوني نظم تنظيمًا دقيقًا بين عدد كبير من الناس يتعرضون جميعًا للخطر ، وأن ما يدفع إلى شركة التأمين من أقساط ما هي عليه إلا وصية وراعية ، وأن المعاوضة في عقد التأمين واقعة بين القسط المدفوع والأمان المبذول بمقتضى العقد ، وأن المستأمن يحصل على العوض بمجرد عقد التأمين دون توقف على وقوع الخطر .
هذه كلها افتراضات غير واقعة ، وليس لها سند من الأنظمة التي تنظم العلاقة بين الشركة وطالب التأمين (14) .
فشركات التأمين في وضعها الحالي لا تعمل إلا لحساب نفسها ، ومصالحُها تتعارض مع مصالح المستأمن ، فهي تسعى للحصول على أكبر ربح ، وتحدد قدر الأقساط على النحو الذي يمكنها من ذلك . وتحاول التخلص من تعهداتها بأسباب وعلل تغص بها قاعات المحاكم (15) .
إن الصيغة العملية التي شرعها الإسلام للتعاون والتضامن وبذل التضحيات في باب المعاملات هي عقود التبرعات ، حيث لا يقصد المتعاون ربحًا من تعاونه ، ولا يتطلع إلى عوض مالي مقابلًا لما بذل ، ومن ثم جازت هذه العقود مع الجهالة والغرر ، ولم يدخلها القمار والمراهنة والربا، ذلك أن محل التبرع إذا فات على من أحسن إليه به بسبب هذه الأمور لم يلحقه بفواته ضرر ، لأنه لم يبذل في مقابل هذا الإحسان عوضًا ، بخلاف عقود المعاوضات ، فإن محل المعاوضة إذا فات على من بذل فيه العوض لحقه الضرر بضياع المال المبذول في مقابلته (16) .
وبين يدينا حديث جليل فيه من فقه الباب ما لا ينقضي منه العجب يتجسد فيه صورة التعاون والمواساة والتكافل الذي ترمي إليه الشريعة .
جاء في الصحيحين خبر الأشعريين الذين قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو أو قل طعام عيالهم بالمدينة جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد،ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسوية،فهم مني وأنا منهم" (17) .
ومن لطائف هذا الحديث الشريف وفوائده مما نحن بصدده:
التضامن عند الحاجة في الغزو أو في الإقامة.
ما يأتي به الواحد يختلف مقدارًا عما يأتي به الآخر.
يخلطون ما يجمعون خلطًا يزيل التمييز .
كل فرد يأخذ من المجموع ( مالًا أو طعامًا ) ما يكفيه.
ما يفضل من طعامهم لا يتفاضل فيه واحد عن غيره، ذلك أن المال قد خلط خلطًا يزيل صورة الملكية الأصلية ومقدارها (18) .
صورة التعاون في التأمين
يقوم الراغبون في التأمين من أجل تحقيق هدف معين وهو اتقاء المخاطر المتوقعة عليهم بقبولهم تحمل ما قد يقع من هذه المخاطر موزعًا بينهم لإذابة عبء الخطر عليهم ، وتفتيت آثاره ، إذ يدفع كل واحد مبلغًا من المال يتفق مع نسبة الخطر الذي يخشى وقوعه إلى صندوق هيئة التأمين أو شركة التأمين ، فيتكون منه رصيد تغطى منه الأضرار التي تقع على الأفراد المشتركين فيه، ومن ذلك يتبين أن التأمين يستند إلى الأسس التالية:
1-قيام تعاون بين هؤلاء الأفراد المهددين بالخطر تحت إشراف شركة التأمين
2-المقاصة بين المخاطر إذ تتولى شركة التأمين تنظيم توزيع الأخطار بين المشتركين بطرق حسابية إحصائية منضبطة (19) .
3-التأمين لا يمنع الأخطار ، ولا يسعى في تأمين وسائل دفعها ، ولكنه يدفع تعويضًا ماليًا عند حدوثها ، كما يعني بتصميم وسائل الدفع وطرق حسابها (20) .
المسألة الثانية: الغرر:
من المسائل المؤثرة في الحكم بين التأمينَين التجاري والتعاوني مسألة الغرر ، وهذا بيان موجز لها .
الغرر هو: الخطر والمخاطرة التي لا يدرى أتكون أم لا تكون كبيع السمك في الماء ، والطير في الهواء ن وبيع المجهول ، وما كان له ظاهر يغر المشتري وباطن مجهول ، وبيع ما لا يملك ، فالغرر هو المجهول العاقبة (21) والذي لا يدري أيحصل أو لا يحصل (22) .وهو يكون في المبيع وفي ثمنه.
والغرر يغتفر فيما بابه البر والإحسان ، ويؤثر فيما بابه المعاوضات.
والغرر في المعاوضات المالية ثلاثة أقسام:
1-غرر كثير: وهذا يؤثر في عقود المعاوضات فيفسدها إجماعًا كبيع الطير في الهواء.
2-غرر يسير: وهذا لا تأثير له إجماعًا كالقطن المحشوة به الجبة ، وأساس الدار.
3-غرر متردد بين الكثير واليسير:وهذا محل خلاف واجتهاد ، فمن ألحقه بالكثير أعطاه حكمه ، ومن ألحقه باليسير أعطاه حكمه.والغرر في التأمين ليس باليسير جزمًا ، بل هو متردد بين الكثير والمتوسط ، وهو إلى الكثير أقرب (23) .
وبه يتبين أن عقد التأمين من عقود المعاوضات التي يؤثر فيها الغرر
وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى يقول: والغرر ثلاثة أنواع:
إما المعدوم كحبل الحبلة .
وإما المعجوز عن تسليمه كالعبد الآبق.
وإما المجهول المطلق ، أو المعين المجهول جنسه أو قدره (24) .
الفرق بين الغرر والجهالة:
الغرر هو الذي لا يدري أيحصل أو لا يحصل .
أما الجهالة فتكون فيما علم حصوله وجهل صفته.
فالغرر والجهالة بينهما عموم وخصوص مطلق فيوجد كل واحد منهما مع الآخر وبدونه .فوجود الغرر بدون الجهالة كشراء العبد الآبق المعلوم قبل الإباق ، فلا جهالة فيه لكن فيه غرر .
والجهالة بدون غرر كشراء مادة يراها ولا يدري حقيقتها أزجاج أو ياقوت ، فالحصول متحقق ولكن معرفة الحقيقة مجهولة ، واجتماع الغرر مع الجهالة كالعبد الآبق مجهول الصفة.
والغرر والجهالة يقعان في تسعة أشياء: في الوجود والحصول ، ولجنس والنوع ، والمقدار ، والتعيين والبقاء ، والأجل ، والصفة (25) .
قاعدة من كلام شيخ الإسلام:
"إذا كانت مفسدة بيع الغرر هي كونه مظنة العداوة والبغضاء ، وأكل أموال الناس بالباطل فمعلوم أن هذه المفسدة إذا عارضتها المصلحة الراجحة قدمت عليها ، كما أن السباق بالخيل والسهام والإبل لما كان فيه مصلحة شرعية جاز بالعوض،وإن لم يجز غيره بعوض ."
ومعلوم أن الضرر على الناس بتحريم هذه المعاملات أشد عليهم مما قد يتخوف فيها من تباغض أو أكل مال بالباطل لأن الغرر فهيا يسير والحاجة إليها ماسة والحاجة الشديدة فيدفع بها يسير الغرر ، والشريعة مبنية على أن المفسدة المقتضية للتحريم إذا عارضها حاجة راجحة أبيح المحرم ..."الخ كلامه ...مع حذف يسير (26) ."
وبالنظر بين التأمينين التعاوني والتجاري ، يظهر أنه ليس هناك حاجة إلى الأخذ بهذه القاعدة في الغرر المعلوم في التأمين التجاري ، لأن السلامة منه متحققة في التأمين التعاوني ، فالتأمين التعاوني معاملة أساسها التعاون والتبرع ، فهي خالية من معنى المعاوضة، وإذا عدم معنى المعاوضة ،فقد انتفى عنها مفسدة الجهالة والغرر والغبن وشبهة الربا (27) .
المسالة الثالثة:
أ-القصد التجاري في عقد التأمين:
تحرير هذه المسألة هو من الحدود الفاصلة بين التأمين التجاري والتأمين التعاوني:
فالأصل في نشأة عقد التأمين التجاري أن قصد التجارة فيه ظاهر وبخاصة من قبل شركات التأمين ، والقصد في حق المؤمَّن له هو التعويض عن الخطر ، أو تقليل آثاره ، أو تقليل أضراره.
ولمزيد من الإيضاح يقال: إن التأمين بالنسبة للمؤمِّنين عملية تجارية محضة يهدف أصحابها إلى الربح ، أما في حق المؤمَّن لهم فقد يكون تصرفهم تجاريًا كالتأمين على المستودعات التجارية والبضائع المنقولة ونحو ذلك ، وقد يكون مدنيًا كالتأمين على الحياة أو حوادث الحريق والسرقة .
والأصل ألا يربح المؤمَّن له من التأمين ولكنه يحفظ بالتأمين ماله على نفسه (28) .