فهرس الكتاب

الصفحة 1152 من 1226

ولمزيد من التكييف الفقهي لمسألة القصد ، يحسن بيان أثر النية في الأحكام واختلاف الحكم في الشيء ذي الصورة الواحدة باختلاف النية فيه مع اتحاد الصورة، فإخراج المال يختلف فيه الحكم حسب نية المخرج ما بين هبة ،أو صدقة تطوع ، أو زكاة ، والصورة واحدة ، والذبح يكون بقصد القربة لله ، ويكون للضيافة ، كما أنه قد يكون شركًا وكفرًا إذا كان ذبحًا لغير الله والصورة واحدة ، ودخول المسجد يكون للعبادة وللراحة ، والغسل يكون لواجب ، أو سنة ، أو بقصد التبرد ... وهكذا (29) .

ومنه يتبين أن الصورة بين التأمين التجاري والتعاوني قد تتحد ويفرق بينهما في قصد الربح والتجارة من عدمه.

ب-القصد التجاري في التأمين التعاوني:

الذي يذهب إليه كثير من الباحثين المعاصرين من رجالات القانون والاقتصاد القول بأن التأمين التعاوني ليس تأمينًا تجاريًا بل هو إجراء تعاوني لا يهدف إلى الربح بل يهدف إلى تبديد الأخطار وتوزيعها بين أكبر عدد ممكن .

وذهب بعضهم إلى اعتباره تجاريًا لأنه يؤدي إلى تجنب الخسارة (30) .

والذي يقال هنا أن تحقيق ربح في التأمين التعاوني لا يؤثر في حكمه ما دام انه لم يكن مقصودًا في الأصل ، بل جاء تبعًا ، أو جاء أثرًا للحفاظ على الأموال المجموعة ، ذلك أن الغرض الأصلي هو التعاون على درء آثار المخطر ، وتأمين مبالغ كافية لتغطية ما يحتمل وقوعه من أخطار ، ولم يكن الربح مقصودًا بالقصد الأول . وحصول الربح تبعًا من غير أن يكون مقصودًا بالقصد الأول لا يؤثر في الحكم.

المبحث الثالث: في توصيف التأمين الإسلامي وتكييفه الفقهي وفيه مسألتان:

المسألة الأولى: توصيف التأمين الإسلامي .

المسألة الثانية: تكييفه الفقهي .

المسألة الأولى: توصيف التأمين الإسلامي.

1-أساسه عقد التبرع الشرعي وهو تبرع يلزم (31) بالقول على رأي الإمام مالك رحمه الله.وعلى هذا يكون العضو ملتزمًا بدفع القسط بمجرد توقيعه على العقد ، وبالتالي يكون الأعضاء متبرعين بالأقساط التي يدفعونها ، وبعوائد استثمار هذه الأقساط ، في حدود المبالغ اللازمة لدفع التعويضات عن الأضرار التي تصيب أحدهم . كما يتضمن التوقيعُ على وثيقة التأمين قبولَ العضو للتبرع من مجموع أموال التأمين أي الأقساط وعوائدها الاستثمارية وفقًا لأحكام وثيقة التأمين والنظام الأساسي للشركة حسب أحكام الشريعة الإسلامية ، والعضو لا يتبرع بالأقساط وعوائدها جملة ، بل يتبرع منها بما يكفي لدفع التعويضات.

2-يقوم على مبدأ التعاون من أجل تلافي آثار الأخطار التي تحددها عقود التأمين . فيعوض المشترك عن الأضرار الناجمة عن هذه الأخطار .

3-أموال التأمين ملك لهيئة المشتركين ، وليس لشركة التأمين ، وهم يدفعون منها ما يكفي لدفع التعويض عن الأضرار.

4-شركات التأمين التعاوني شركات خدمات ، أي أنها تدير عمليات التأمين وتستثمر أمواله نيابة عن هيئة المشتركين ، وعلاقة الشركة بهيئة المشتركين علاقة معاوضة ، فهي الأمينة على أموال التأمين ، وتقوم بالإدارة نيابة عن هيئة المشتركين ، والعوض الذي تأخذه الشركة مبلغ مقطوع ، أو نسبة من الأقساط التي تجمعها ، أو التعويضات التي تدفعها باعتبارها وكيلًا ، أو في نسبة معلومة من عائد الاستثمار باعتبارها مضاربًا ، أو هما معًا.

5-طرفا العقد هما: المشترك وشركة التأمين ، فالمشترك هو المستأمن أو المؤمِّن له من جهة ، وشركة التأمين باعتبارها ممثلة لهيئة المشتركين وهي هيئة اعتبارية أو حكمية لازمة لترتيب أحكام عقد التأمين.

6-هيئة المشتركين: وهي تمثل المشتركين ، وهي هيئة اعتبارية يدفع أعضاؤها الأموال الطائلة للشركة التي تدير عمليات التأمين وتستثمر أموالهم نيابة عنهم.

ووجود هذه الهيئة الحكمية مهم من الناحية الشرعية حتى ولو لم يكن لها وجود في الخارج ولم تفرغ في الصيغ القانونية .

ويمكن التمثيل لذلك بعقد المضاربة فإنه يمثل شركة مضاربة بين ربّ المال والمضارب ، فتترتب أحكام المضاربة باعتبارها شخصية معنوية لها ذمة مالية مستقلة عن ذمة المضارب وربّ المال ، حتى جاز لهما البيع والشراء مع المضاربة وكانت مسئوليتهما محددة برأس المال لا تتعداها إلى أموالهما ، وهناك مصروفات تتحملها المضاربة وأخرى يتحملها المضارب ، وشركة المضاربة قد لا تُوجد قانونًا في الخارج ،ومع ذلك يقال بمشروعية عقد المضاربة ، والأحكام المترتبة عليها تفترض وجود مثل هذه الشخصية المعنوية ، ومثل ذلك بيت المال والوقف (32) .

وبمنظور آخر فإنه يجب أن يكون في شركات التأمين هيئتان: هيئة المشتركين ، أي حملة وثائق التأمين باعتبارهم متبرعين من أموال التأمين المملوكة لهذه الهيئة لا تشاركها فيها شركة التأمين.

وهيئة المديرين أو المضاربين وهو مساهمو شركة التأمين التي تدير عملية التأمين وتستثمر أمواله نيابة عن هيئة المشتركين في مقابل أجرة الوكالة أو حصة المضاربة، أو هما معًا بأن تأخذ أجرًا على إدارة عمليات التأمين باعتبارها وكيلًا ، وحصة من عوائد استثمار أموال التأمين باعتبارها مضاربًا (33) .

7 -العلاقة بين المشترك وشركة التأمين الإسلامية:

تتمثل هذه العلاقة في عقد إدارة مع (( هيئة المشتركين ) )شركة التأمين الإسلامية، ويترتب على هذه العلاقة قيام شركة التأمين بإبرام عقود التأمين، وجمع الأقساط ودفع التعويضات نيابة عن هيئة المشتركين، وهي تستثمر أموال التأمين لحسابهم وعلى مسؤوليتهم باعتبارها مملوكة لهم في مقابل حصة من عوائد استثمارها، فالعقد إذن عقد إدارة ومضاربة بين شركة التأمين والهيئة الاعتبارية.

والعقد الذي تبرمه شركة التأمين مع المشترك عقد تبرع، يقوم فيه المشترك بالتبرع، يجسد ذلك قبوله لنظام الشركة، وحينئذ يكون عضوًا في هيئة المشتركين، وبتوقيع العقد من قبله تكون شركة التأمين قبلت عضويته وتبرعه باعتبارها نائبة عن هيئة المشتركين التي تملك الأقساط.

8-محل عقد التأمين.

محل عقد التأمين شيئان:

أ- القسط: وهو التبرع الذي يدفعه المشترك مرة واحدة أو على أقساط ليستفاد منه في الغرض الذي قامت له الشركة وهو دفع الأخطار المحددة حسب نظام الشركة، وهذا القسط يحدده عقد التأمين الذي يوقعه العضو مع شركة التأمين.

والقسط يتناسب مع نوع الحظر المؤمن منه ومبلغ التأمين، والعضو لا يتبرع بكامل القسط وعوائد استثماره، بل بما يكفي لدفع التعويضات المطلوبة من الشركة خلال المدة، والباقي باق على ملك المشترك، ويمكن توزيعه على أفراد جماعة المشتركين على شكل فوائض تأمين، وذلك بعد خصم بعض الاحتياطات لصالح أفراد المشتركين في المستقبل ويجوز في بعض أنواع التأمين أن ينص في وثيقة التأمين على أن المشترك يعفى من القسط في حالات وظروف خاصة، وتعفى ورثته بعد موته من دفع القسط، ولا يؤثر ذلك في استحقاق مبلغ التعويض في حالة وقوع الخطر كالحريق أو العجز ونحوهما، أو تحقق المسؤولية مثلًا، لأن مبنى التعاون الإسلامي على التعاون القائم على التبرع، وللمتبرع أن يضع من الشروط ما يراه مناسبًا لتبرعه إذا كانت هذه الشروط مشروعة وهذه الشروط يتضمنها النظام الأساسي لشركة التأمين الإسلامية.

ويعتبر العضو قابلا لذلك بتوقيعه على العقد ويجب أن يطبق ذلك على جميع المشتركين بعدالة ومن غير تميز ولا محاباة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت