فهرس الكتاب

الصفحة 1148 من 1226

على افتراض بأن التأمين التجاري ينطوي على الربا والقمار والغرر والجهالة فإن التأمين التعاوني يصب في نفس هذا الحوض مع التأمين التجاري . فأهل هذا القول يقولون عن التأمين التجاري بأن المؤمَن له يدفع أقساطًا تأمينية هي أقل بكثير مما قد يُدفع له تعويضًا في حال الاقتضاء . وليس تقابض العوضين في مجلس واحد وإنما أحد العوضين يُستلم قبل تسلم العوض الآخر إن كان بوقت طويل ، وهذا هو عين الربا بقسميه ربا الفضل وربا النسيئة . ويمكن أن يقال في بلة هذا القول: بأن التأمين التعاوني يسلك هذا المسلك حذو القذة بالقذة ومن فرق بينهما بدعوى التبرع أو التعاون فتفريقه مردود عليه بما سبق . والقول بأن التأمين التجاري يشتمل على القمار حيث إن القمار يعتمد على غرم محقق وغنم محتمل حيث إن المشترك يدفع أقساط اشتراكه قطعًا ولا يدفع له التعويض عن الضرر إلا في حال وقوعه . ووقوع الضرر محتملٌ فقد يقع فيُدفع له مبلغ يفوق ما سبق منه دفعه وقد لا يقع الضرر فتضيع مبالغُه التي دفعها في شكل أقساط ،وهذا هو القمار - غرم محقق وغنم محتمل - ويمكن أن يناقش هذا القول بأن التعاوني يتفق مع التأمين التجاري في هذا التصور . فالمشترك في التأمين التعاوني يلتزم بدفع أقساط التأمين بكل حال وقد ينتهي عقد التأمين معه دون أن يقع عليه ما يقتضي التعويض ، فاتفق مع التأمين التجاري في دعوى اشتماله على القمار - غرم محقق وغنم محتمل - والقول بأن التأمين التجاري يشتمل على الغرر الفاحش حيث إن المؤمن له لا يدري هل ينتهي عقده دون أن يقع عليه ما يوجب التعويض فما مقداره ؟ فهذا عين الغرر . ويمكن أن يناقش هذا القول بأن التأمين التعاوني يتفق مع هذا التصور ، ويسير بهذا مع التأمين التجاري جنبا إلى جنب . ولا يدفع هذا دعوى أن التأمين التعاوني مبني على التبرع والتعاون والتسامح . فهو قول موغل في الوهم والخيال ، وبمثل ما ذكرنا في دعوى الربا والقمار والغرر نقول في دعوى الجهالة فما يقال في التأمين التجاري من أوصاف تقتضي القول بحرمته يلزم أن يقال لك في التأمين التعاوني فليس بينهما فروق تقتضي التقسيم والتفريق في الحكم .

شرعية التأمين بنوعيه

أن التأمين بنوعيه لو تحقق فيه القول باشتماله على الربا والقمار والغرر الفاحش والجهالة ، لو تحقق فيه ذلك أو اشتمل على واحدة ما ذكر لكان ذلك كافيًا في القول بحرمته ولا نعلم في القول ببطلان أي عقد يشتمل على الربا أو الغرر الفاحش أو القمار أو الجهالة خلاف بين أهل العلم في البطلان ، والنصوص الشرعية من كتاب الله ومن سنة رسوله محمد e متوافرة في ذلك ، فهل التأمين بنوعيه يشتمل على ما ذكر من ربا وقمار وغرر وجهالة ؟ إننا نستطيع أن نتبين ذلك عن طريق التعرف على محل العقد في التأمين . هل محل ذلك المعاوضة بين نقد ونقد كما هو الحال في المصارفة ؟ أم أن محل ذلك عنصر الرهان والمقامرة بحيث يربح أحد المتقامرين ويخسر الآخر ؟ أم أن محل العقد أمر مجهول لا نعلم حقيقته ولا قدره ولا وجه حصوله ؟ أم أن الغرر متحقق حصوله لدى أطرافه ؟ الواقع أن محل العقد في التأمين بقسميه ليس ما ذكر وإنما هو ضمان الأمن والأمان والسلامة من ضياع المال أو تلفه ، فالأقساط التأمينية ثمن للضمان ، فليس لدينا نقود بنقود ، وليس لدينا غارم وغانم ، وإنما كل طرفيه غانم ، فالمؤمن غانم للأقساط التي هي ثمن ضمانه السلامة . والمؤمن له غانم السلامة سواء سلمت العين المؤمن عليها حيث كسب الطمأنينة والارتياح النفسي أثناء مدة عقد التأمين عليها ، وفي حال تلفها فهو كاسب التعويض عنها ، فهو سالم في حال السلامة أو التلف .

إيرادات على القول بأن محل العقد ضمان الأمن والجواب عنها

أحدها:أن الأمن شيء معنوي لا يصح أن يكون محلا للمعاوضة .

والجواب عن هذا الإيراد: أن الأمن مطلب يسعى لتحقيقه الأفراد والجماعات فالأموال تبذل في سبيل الحماية والحراسة والحفظ وذلك لتحقيق الأمن والسلامة من النقص والتلف والضياع والغصب واضطراب الأمن وانتفاء الاستقرار يستوي في استهداف ذلك الأفراد والجماعات والدول . ولو نظرنا إلى ميزانيات الدول لوجدنا أن وزارات الداخلية تختص بنسب كبيرة من الميزانية ثمنا لتحقيق الأمن والأمان الاستقرار في البلاد وهذا يعني أن الأمن والسلامة والأمان والاستقرار أمور معنوية تبذل في سبيل تحقيقها وتوفيرها للبلاد وأهلها أموال كثيرة قد تتجاوز ثلث ميزانية الدولة.وغني عن البيان القول بأن هناك حقوقا معنوية صالحة لأن تكون محلا للمعاوضات بيعا وشراء وتنازلا وصلحا ، مثل حقوق الطبع والنشر والإنتاج والعلامات التجارية وبراءات الاختراع والتنازل عن الاختصاصات والمعاوضة عن الرغبات الثابتة بالاختصاص كل ذلك من الحقوق المعنوية القابلة لتنقل الأيدي على تملكها بالمعاوضة عنها .

الأمر الثاني: أن من شروط البيع أن يكون المبيع مملوكا للبائع وقت العقد، والأمن والأمان ليسا مملوكين للمؤمن وقت إبرام عقد التأمين بينه وبين المؤمن له .

والجواب عن هذا الإيراد: أن المؤمن وهو شركة التأمين باع من ذمته أمنًا جرى وصفه وصفا تنتفي منه الجهالة ، وجرى ذكره في العقد وهو قادر على تحقيقه للمؤمن له وقت الاقتضاء وذلك بدفعه التعويض الجالب للطمأنينة والسلامة والأمان . وهذا من أشباه ضمان الأسواق وضمان أمن الطرقات التي جرى ذكرها واعتبارها لدى بعض الفقهاء ومنهم فقهاء الحنفية فقد ذكروا: ( لو قال شخص لآخر اسلك هذا الطريق فإنه آمن وإن أصابك شيء فيه فأنا ضامن، فسلكه وأخذ اللصوص ماله ضمن القائل تعويضه عما أخذ منه ) اهـ. فهذا نوع من التأمين وهذا القائل: اسلك هذا الطريق وأنا ضامن ما يحصل عليك ، لا يملك الضمان وإنما ضمن له من ذمته مما يغلب على الظن قدرته على حصوله عليه وقت حلول أجل التسليم . وبهذا ينتفي رد هذا القول بأن بائع الأمان لا يملكه وقت العقد .

الأمر الثالث: أن القول ببيع الضمان-الأمن والأمان- باعتباره محل العقد يعني القول بأخذ الأجرة على الضمان وهذا القول قد رفضه جمهور أهل العلم بل حكى ابن المنذر الإجماع ممن يحفظ عنه من أهل العلم على منع أخذ الأجرة على الضمان حيث جرى تخريج محل العقد في التأمين على شراء الضمان -أي ضمان حصول الأمن والسلامة للمؤمن له- وأن ذلك غير جائز .

والجواب عن هذا ما يلي: إن القول بمنع أخذ الأجرة على الضمان ليس محل إجماع بين أهل العلم وإن ذكر ذلك ابن المنذر -رحمه الله - فقد قال بجوازه الإمام إسحاق بن راهويه أحد مجتهدي فقهائنا الأقدمين وهو سابق لابن المنذر . وقال بجوازه من فقهاء العصور المتأخرة من علماء الأزهر الشيخ علي الخفيف والشيخ عبد الرحمن عيسى والشيخ عبد الحليم محمود ، ومن علماء المملكة الشيخ عبد الرحمن السعدي والشيخ عبد الله البسام .

الأمر الرابع: إن الضمان في التأمين وقع على أمر مجهول قدره وغير واقع وقت حصول التعاقد بين الطرفين والعقد على أمر مجهول قدره وغير واقع وقته مما تفسد به العقود .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت