فهرس الكتاب
ومن صور محقه في الدنيا: عدم بركته، وإنفاقه فيما لا يعود على صاحبه بالنفع بل فيما يضره؛ ليقينه أنه كسب خبيث فينفقه في خبيث أيضًا، فيكتسب به إثمين: إثمًا في الاكتساب، وإثمًا في الإنفاق؛ ذلك أن كسب المال من حرام لا يجيز إنفاقه في الحرام كما يظن كثير ممن يتخوَّضون في الحرام. ثم إن من استغل حاجة الفقراء وأكل أموال الناس بالربا فإنهم يبغضونه ويلعنونه ويدعون عليه؛ مما يكون سببًا لزوال الخير والبركة عنه في نفسه وماله، وإذا جمع مالًا عظيمًا بالباطل توجهت إليه أطماع الظلمة والغاصبين، ويشجعهم على ذلك أنهم لا يرون أحقيته بالمال، فيسوِّغون لأنفسهم أخذه منه أو مشاركته فيه.
ومن صور محقه في الآخرة: عدم تسخيره في الطاعة لعلمه أنه محرم، ولو تصدق به أو حج أو أنفق في وجوه البر لكان حريًا بالرد وعدم القبول؛ لأن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبًا، ثم إن ما يحصل له من شدة الحساب والعذاب المرتب على الربا في البرزخ وعند النشر من أعظم المحق؛ ذلك أن الأصل في المال منفعة ينفع صاحبه، والمرابي عاد عليه ماله بالضرر.
وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"الربا وإن كثر فإن عاقبته تصير إلى قلٍّ" (1) .
قال المناوي رحمه الله:"أي أنه وإن كان زيادة في المال عاجلًا يؤول إلى نقص ومحقٍ آجلًا بما يفتح على المرابي من المغارم والمهالك؛ فهو مما يكون هباءً منثورًا. قال الطيبي: والكثرة والقلة صفتان للمال لا للربا؛ فيجب أن يقدر: مال الربا؛ لأن مال الربا ربا" (2) .
ولا يشك مؤمن أن القليل المبارك من المال خير من الكثير الممحوق البركة ولو كان الكثير محل إعجاب الناس وتطلعاتهم ورغباتهم؛ ولذا قال الله تعالى: قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث {المائدة: 100} .
والواقع المشاهد يؤكد هذه الحقيقة التي قررتها نصوص الشريعة سواء على المستوى الفردي أو الجماعي والأممي.
أما على المستوى الفردي فإن أكثر الناس في هذا العصر عصر الربا يشكون من قلة بركة أموالهم رغم كثرة دخولاتهم وتعدد سبل كسبها.
أما على المستوى الأممي العالمي فرغم اختراع الآلة، واستغلال ثروات الأرض، وتنوع الصناعات، وتعدد الزراعات التي أصبح الإنسان المعاصر ينتج منها في اليوم ما لم يستطع إنتاجه من قبل في سنوات؛ حتى صارت أرقام الإنتاج الزراعي والصناعي أرقامًا عالية جدًا؛ رغم ذلك كله فإن أكثر سكان الأرض يعيشون فقرًا، ولا يجدون كفافًا، وفي كل يوم يموت منهم جموع من الجوع والمرض؛ فأين هي المنتجات الزراعية والصناعية؟ لِمَ لمْ تسدَّ جوع الملايين من البشر وهي تبلغ ملايين الملايين من الأطنان؟ فما كانت إذن قلة إنتاج؛ ولكنها قلة بركة فيما ينتجون ويزرعون ويصنعون!!
وأما حلول العقوبات، فإن المحسوس المشاهد منها الذي يعاني منه البشر في عصر الربا من التنوع والكثرة بما لا يعد. وهناك عقوبات معنوية يعاني منها أكثر الناس ولم يكتشفوا سر تلك المعاناة ومنها: استعباد المادة للإنسان بحيث تحولت من كونها وسيلة لراحته وهنائه إلى غاية ينصب في تحصيلها، ثم يشقى بحفظها، ويخشى فواتها. وتلك عقوبة أيُّ عقوبة!!
إن الإنسان في العصر الرأسمالي الذي أساسه الربا يريد الاستغناء بالأشياء، فإذا ما استغنى بها سيطر عليه هاجس زوالها فيظل شقيًا في تحصيلها، شقيًا في الحفاظ عليها. وهل يجد لذة الحياة من نعّم جسده، وعذّب قلبه، وأي عذاب أعظم من عذاب القلب؟!
وقد كان الإنسان قبل العصر الرأسمالي يستغني عما لا يستطيع تحصيله، ويقنع بما كتب له؛ فيرتاح باله، ويطمئن قلبه.
2 الربا سبب لازدياد الفقر:
سيطرة المادة على الناس، وخوفهم من الفقر والحاجة، وانعدام قناعتهم بالضروري من العيش، وتطلعهم إلى كماليات لا يحتاجونها، إلى غير ذلك انتشر وساد في العصر الرأسمالي الربوي. وكل ذلك وتوابعه ليست أخلاقًا ذميمة فحسب؛ بل هو عقوبات وعذاب يتألم الناس من جرائها في زمن انتشار الربا؛ حتى أصبح الفقير يريد الغنى، والغني يريد أن يكون أكثر ثراء، وصاحب الثراء الفاحش يريد السيطرة على أسواق المال في سلسلة لا تنتهي من الجشع وحب الذات وكراهية المتنافسين، وغير ذلك من الأخلاق الرديئة، وصار في الناس مستورون لا يقنعون، وأغنياء لا يحسنون ولا يتصدقون إلا من رحم الله تعالى.
وإذا ما استمر العالم على هذا النحو من تفشي الربا، وارتباط المعاملات المالية به فإن النهاية المحتومة ازدياد الفقر والجوع حتى يهلك أكثر البشر، واجتماع المال في خزائن فئة معدودة من كبار المرابين، وهذا ما جعل أحد كبار الاقتصاديين الأوروبيين يطلق على الربا: تجارة الموت؛ فيقول:"الربا تجارة الموت، ومن شأنه أن يشعل الرأسماليون الحرب وإن أكلت أكبادهم في سبيل مضاعفة رأس المال ببيع السلاح" (1) .
وما حطم قيمة الأوراق النقدية، وقضى على أسعار العملات إلا الربا الذي يقوم عبره عصابة من المرابين بضخ المال في عملة من العملات ثم سحبه من رصيدها لتقع قيمتها من القمة إلى الحضيض، فيصيب الفقر شعوبًا وأممًا لا تملك سوى عملتها التي ما عادت تساوي شيئًا، وليس ببعيد عن الأذهان ما حصل لبعض دول شرق آسيا.
الربا سبب لرداءة النقود وضعفها:
المتخصصون في الاقتصاد يقررون أن النقود هي دماء الاقتصاد، والنقود السليمة هي التي تجعل الاقتصاد سليمًا؛ ولكن نقود العالم الحالية مريضة بالتضخم الناتج عن الربا، ولا يمكن علاجها إلا بمعالجة التضخم، ولن يتم علاجه إلا بإلغاء فوائد الربا. ويشخِّص هذه الحقيقة الاقتصادي الألماني: (جوهان فيليب بتمان) مدير البنك الألماني (فرانكفورت) فيقول:"كلما ارتفعت الفائدة تدهور النقد، فكما يؤدي الماء إلى رداءة عصير البرتقال أو الحليب فإن الفائدة تؤدي إلى رداءة النقود. قد يبدو الأمر أننا نسوق تعبيرات أدبية، أو أننا نبسط المسألة ونسطحها؛ ولكن الحقيقة أن هذه العبارة السهلة البسيطة هي في الواقع معادلة سليمة وصحيحة تدل عليها التجربة، ويمكن إثباتها؛ فالفائدة العالية تدمِّر قيمة النقود، وتنسف أي نظام نقدي ما دامت تزيد كل يوم، وتتوقف سرعة التدمير وحجمه على مقدار الفائدة ومدتها" (1) .
وهكذا صارت عاقبة الربا وإن كثر إلى قِلٍّ. وهذه صورة من صور المحق التي يسببها الربا للأموال المتعاملين به.
وبسبب انتشار الربا في المعاملات المالية أضحت البورصات العالمية وكأنها صالة قمار واسعة، ليس الأمر فيها يتصل بالمقامرات غير المحسوبة فحسب؛ بل إن هناك من يبيع دائمًا ما لا يملك، ومن يشتري من دون أن يدفع ثمنًا. ومن يتظاهر بأن هناك أسهمًا لشركات وما هي في الواقع بشركات، ومن يقيد بالدفاتر مليارات كبيرة دون أن يراها، ودون أن يقابلها رصيد من أي نوع، إنها الفائدة الملعونة المسؤولة عن المصائب الكبرى في النظام النقدي العالمي، وهي المسؤولة عن التضخم، وعن ضياع الأموال، وعن عجز دفع المدينين ديونهم، كما قرر حقيقة ذلك الاقتصادي الغربي (موريس آليه) الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد (2) .
4 الربا سبب لرفع الأمن وانتشار الخوف: