فهرس الكتاب

الصفحة 1124 من 1226

وهذا يقتضي أن يُفِرد البنك للودائع التي يستثمرها بطريق الوكالة حسابًا مستقلًا منتظمًا مُدقَّقًا، تقيد فيه إيرادات ومصروفات جميع المعاملات الشرعية التي يقوم بها البنك، حتى يتحدد الربح المستحق للمودعين، بعد أن يخصم البنك الأجرة المتفق عليها عند الإيداع.

والبنوك الإسلامية تقوم بهذا العمل على الوجه السابق، وذلك بجانب قيامها باستثمار الودائع بصيغة المضاربة التي يستحق فيها البنك نسبة محددة من الربح بدلًا من الأجرة المحددة بمبلغ مقطوع أو نسبة من الودائع المستثمرة، وقد تستثمر البنوك الإسلامية الودائع بصيغة المشاركة؛ فيستحق البنك حصة من الربح تناسب مساهمته في المشاركة، ويأخذ المودعون نسبة من الربح تناسب مساهماتهم.

وأما استخدام الودائع فالبنوك الإسلامية تستثمرها استثمارًا مباشرًا بعقود وصيغ شرعية كالمرابحة والبيع المؤجل وبيع السلم والاستصناع والمشاركات، ولا تدفع البنوك الإسلامية هذه الودائع بصيغة القرض لمن يقوم باستثمارها؛ فالبنوك الإسلامية لا تقوم بالإقراض والتمويل النقدي ومنح التسهيلات الائتمانية، بل إنها بنوك استثمار منتج للسلع والخدمات، وبنوك تنمية حقيقية، وتلك رسالتها، حسب قواعد الشريعة، وقوانين ونظم إنشائها، والتراخيص التي منحتها الدول التي توجد فيها هذه البنوك لها؛ فإن قصرت أو أخطأت كانت مسئولة أمام الله، ثم الدولة التي منحتها هذه التراخيص، والمجتمع الذي منحها ثقته.

وقد يحدث هذا التقصير بسبب عدم كفاية العناصر المؤهلة، أو عدم العناية بتدريبها، ولكنها في جميع الأحوال يجب أن تجمع المدخرات، وتوجهها للاستثمار المنتج بصيغ شرعية مساهمة في خطط التنمية. ويجب على الدولة والمجتمع أن يعيناها على ذلك، ويحكما الرقابة عليها؛ إذ إن الذين يتعاملون مع هذه البنوك يعتمدون على أنها تلتزم بأحكام الشريعة في ترك الربا الذي يؤذن بحرب الله ورسوله ويمحق البركة في المجتمع، وأن هذه البنوك تسهم في نفس الوقت في تمويل خطط التنمية. ذلك أن البنك الإسلامي لا يتقاضى فائدة على قرض؛ لأنه لا يُقرض الودائع، وإنما يستحق حصة من ربح العملية أو المشروع، ولا يتحقق الربح إلا إذا كان ثمة مشروع منتج ومحقق للربح وفق دراسة الجدوى، وبذلك يواكب كل تمويل لعملية إنتاج ينتج عنها ربح، وهذا يساعد على تخفيف حدة التضخم، ويوجه استخدامات الموارد في المجتمع توجيهًا صحيحًا.

إن دعم ومساندة البنوك الإسلامية تلبي أشواق ورغبات شريحة كبيرة من المجتمع التي آمنت بحرمة الربا، وبكونه يمحق البركة من الرزق، ويعرض المرابي لحرب من الله ورسوله لا قبل له بها، ولهم حق ممارسة أحكام دينهم، ويفيد الجهاز المصرفي من ودائع يمتنع أصحابها عن إيداعها في البنوك الربوية، بدلًا من أن تتسرب هذه الودائع، ويُحرم منها المجتمع.

ولا يضير البنوك التقليدية وجود بنوك إسلامية؛ لأن الملتزمين بأحكام دينهم إذا لم توجد بنوك إسلامية لا يودعون في البنوك التقليدية. لذا فإن إثارة هذا الموضوع لا يفيد المجتمع بحال.

إشكاليات تتعلق بفتوى مجمع البحوث الإسلامية

إن كان التناول النقدي السابق يتعلق بالإشكال الذي انطوى عليه السؤال من توصيف غير حقيقي لطبيعة النشاط الاقتصادي الذي تمارسه المصارف، ومن ثم سوء الفهم المترتب على هذا التوصيف الخاطئ؛ فإن الجزء الذي بين أيدينا يتناول تجاوزات في فتوى مجمع البحوث نفسها ( اضغط هنا لمطالعة نص الفتوى) .

لقد ذكرت الفتوى بعض الأدلة على ما توصلت إليه من حكم بأن تحديد الأرباح مقدمًا لأصحاب الودائع في البنوك حلال لا شبهة فيه. واستكمالًا للبحث فإني أذكر هذه الأدلة، أو بالأحرى التعليلات والمناسبات التي ذكرت لتأكيد هذه الفتوى:

أولًا: جاء في الفتوى أنه"من المعروف أن البنوك عندما تحدد للمتعاملين معها هذه الأرباح أو العوائد مقدمًا، إنما تحددها بعد دراسة دقيقة للأسواق المالية أو المحلية وللأوضاع الاقتصادية في المجتمع، ولظروف كل معاملة أو نوعها ومتوسط أرباحها".

وهذا التعليل أو التدليل ليس في محل النزاع؛ لأن الخلاف ليس في طريقة تحديد ما يُعطى للمودع، بل في الحكم الشرعي لما يُعطى، بصرف النظر عن مقداره وطريقة تحديده. وقد تقدم أن الوديعة تُعد قرضًا بنص القوانين وبإجماع الفقهاء، و"كل قرض جر نفعًا فهو ربا"بنص الحديث الشريف؛ ذلك أن واقع البنوك أنها تتلقى الودائع وتملكها، وتستقل باستخدامها في إقراض الغير بفائدة، مع التزامها بردها مع الفائدة، وهذا هو حكم القرض بنص القانون، ولا دخل بعد ذلك في كيفية أو طريقة تحديد هذا النفع أو مقداره أو مسماه؛ فقد تُسمى هذه النتيجة نفعًا أو ربحًا أو عائدًا أو فائدة أو مكافأة أو هدية؛ لأن العبرة بما يرتبه العقد من آثار بين عاقديه. والأحكام تُبنى على الواقع لا على الخيال. ودعوى أن البنك وكيل استثمار، وأنه يستثمر الودائع بنفسه في معاملات مشروعة، تقدم تفنيده وإبطاله، وتوضيح مخالفته للقانون والشرع والواقع.

ثانيًا: جاء في الفتوى أنه"من المعروف أن هذا التحديد (للربح الذي يعطى للمودع) قابل للزيادة أو النقص؛ بدليل أن شهادات الاستثمار بدأت بتحديد العائد، ثم ارتفع إلى أكثر من 15%، ثم انخفض الآن إلى ما يقارب 10%."

وهذا التعليل أو التعديل في غير الموضوع الذي نتحدث عنه؛ إذ الحديث عن الصفة الشرعية لما يعطيه البنك للمودِع؛ وقد تقدم أنه ربا؛ لأنه منفعة يمنحها المقترض للمقرِض (زيادة عن الدين؛ لأنها نسبة من رأس المال مقابل الأجل) . ولا يجادل أحد في أن هذا هو حقيقة الربا؛ لقوله عليه الصلاة والسلام:"كل قرض جر نفعًا فهو ربا"، ولإجماع الأمة على أن الزيادة على الدين في مقابل الأجل هي الربا، سواء تحددت وشُرطت مقدمًا كما جاء في السؤال والفتوى، أو كانت العادة جارية في البنوك بذلك.

وإذا ثبت أن الوديعة النقدية قرض يفيد ملك البنك للوديعة، وحقه في استخدامها مع رد مثلها، وأن ذلك قرض بحكم القانون والشرع؛ فإن كل زيادة على القرض تُعطى للمودع تكون ربا مهما كان قدرها، أو طريقة تحديدها، أو التسمية التي تُطلق عليها، أو تغييرها بالزيادة والنقصان. ودعوى أن البنك يتلقى الودائع بصفته وكيل استثمار، وأنه يستثمرها بنفسه في معاملاته المشروعة بالاتجار والبيع والشراء وغير ذلك من عقود وصيغ الاستثمار الشرعية، دعوى يكذبها الواقع، ويحظرها القانون، كما سبق شرحه وإثباته..

ثالثًا: جاء في الفتوى أن"الخلاصة أن تحديد الربح مقدمًا للذين يستثمرون أموالهم عن طريق الوكالة الاستثمارية في البنوك أو غيرها حلال، ولا شبهة في هذه المعاملة؛ فهي من قبيل المصالح المرسلة، وليست من العقائد أو العبادات التي لا يجوز فيها التغيير أو التبديل".

والرد على ذلك يكون بتناول عدة جزئيات على النحو التالي:

أولًا: الحكم الشرعي إذا ثبت بالدليل، وعُرف مناطه؛ فلا يجوز تغييره ولا تبديله بحال، يستوي في ذلك العقائد والعبادات وغيرها من المعاملات. غير أن تفسير النصوص الشرعية، وتحديد مجال إعمالها، يُرجع فيه إلى المصلحة التي شُرع الحكم لتحقيقها، وذلك في المعاملات بخلاف العبادات التي يقف فيها المجتهد عند النص ولا يتوسع في تفسيره. وهذا أصل أكده الإمام الشاطبي وغيره، غير أنه في جميع الحالات إذا توصل المجتهد بهذا المنهج إلى حكم شرعي فإنه لا يحل تغييره أو تبديله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت