(( ويتميز القرض عن الوديعة في أن القرض ينقل ملكية الشيء المقتَرض إلى المقرض على أن يرد مثله في نهاية القرض إلى المُقرض، أما الوديعة فلا تنقل ملكية الشيء المودَع إلى المودَع عنده، بل يبقى ملك المودٍع ويسترده بالذات. هذا إلا أن المقترض ينتفع بمبلغ القرض بعد أن أصبح ملكًا له، أما المودَع عنده فلا ينتفع بالشيء المودَع بل يلتزم بحفظه حتى يرده إلى صاحبه.
ومع ذلك فقد يودع شخص عند آخر مبلغًا من النقود أو شيئًا آخر مما يهلك بالاستعمال ويأذن له باستعماله، وهذا ما يسمى بالوديعة الناقصة.
وقد حسم التقنين المدني الجديد الخلاف في طبيهة الوديعة الناقصة، فكيفها بأنها قرض. وتقول المادة 726 مدني في هذا المعنى: إذا كانت الوديعة مبلغًا من النقود أو أي شيء آخر مما يهلك بالاستعمال، وكان المودَع عنده مأذونًا له في استعماله اعتبر العقد قرضًا.
أما في فرنسا فالفقه مختلف في تكييف الودائع الناقصة. والرأي الغالب هو الرجوع إلى نية المتعاقدين؛ فإذا قصد صاحب النقود أن يتخلص من عناء حفظها بإيداعها عند الآخر فالعقد وديعة. أما إن قصد الطرفان منفعة من تسلم النقود عن طريق استعمالها لمصلحته فالعقد قرض. ويكون العقد قرضًا بوجه خاص إذا كان من تسلم النقود مصرفًا. ))""
وهنا تتجلى الحقيقة، فتسمية الأمور بغير مسمياتها قد تخدع البعض، إلا أنها لايمكن أن تمحو الحقيقة.
هل تتدخل البنوك التجارية في العملية الإنتاجية؟
في ندوة جمعية الاقتصاد الإسلامي قدم أحد الباحثين الاقتصاديين بحثًا في موضوع طبيعة البنوك التقليدية والوظائف التي تؤديها ومصادر أموالها و وجوه استخدامها.
أنقل ما لخصه الأستاذ دكتور على السالوس من هذه الدراسة للباحث الاقتصادي سمير عبدالحميد رضوان حين تسائل بعد أن قدم دراسته بشكل تفصيلي بهذا السؤال الذي يلخص الدراسة:
هل تتدخل البنوك التجارية في العملية الإنتاجية؟
"نلخص مما تقدم، ومن دراستنا لطبيعة أعمال البنوك التقليدية، إلى أن البنوك التجارية مؤسسات للوساطة المالية، لا تتدخل بطريقة مباشرة في العملية الإنتاجية، وإنما تتوسط بين المقرضين والمقترضين، فتقوم بتحويل الفوائض المالية من القطاعات ذات الطاقة التمويلية الفائضية -المقرضين و المودعين- إلى القطاعات ذات العجز في الموارد المالية (المقترضين) ."
ويتمثل دخل هذه البنوك في الفرق بين ما تحصل عليه من فوائد من المقترضين، وما تدفعه من فوائد للمقرضين. أما العمولات التي تتقاضاها مقابل الخدمات التي تقدمها فتمثل جزءًا يسيرًا نسبيًا. أ.هـ.
ثم قدم الباحث بعض النماذج التطبيقية من الواقع العملي، وقام بتحليلها، مؤكدًا ما انتهى إليه من الدراسة.
وعلى سبيل المثال عرض المركز المالي الإجمالي للبنوك التجارية في مصر قي مارس سنة 1987م، وتبين من وجوه الاستخدام أن نسبة ما تقرضه بلغ 81.78% من جملة الاستخدامات، و أن 9.37% كان للاستثمار في الأسهم والسندات، ومعلوم أن السندات قروض ربوية، أي أن الاستخدامات كانت أساسًا في الإقراض بفائدة.
وختم الباحث دراسته بعرض صورة لميزانية بنك الإسكندرية التجاري والبحري.
من استقراء المركز المالي لبنك الإسكندرية التجاري والبحري في 30/12/1987م وكذا حساب الأرباح والخسائر عن السنةالمنتهية في 31/12/1987م استبان لنا الآتي:
نسبة إجمالي الودائع إلى إجمالي الموارد 67%.
1.نسبة حقوق المساهمين إلى إجمالي الموارد 18.3%.
2.نسبة حقوق المساهمين إلى إجمالي الودائع 27.1%
3.نسبة الاستثمارات المالية إلى إجمالي الاستخدامات 0.5%.
4.نسبة القروض (والسلفيات) إلى إجمالي ودائع العملاء 146%.
حساب الأرباح والخسائر:
1.نسبة الفوائد المحصلة إلى جملة الإيرادات 85.8%.
2.نسبة عائد الخدمات المصرفية والإيرادات الأخري إلى إجمالي الإيرادات 14.2%.
3.نسبة الفوائد المدفوعة إلى الفوائد المحصلة 55%.
والمؤشرات على الوجه المتقدم ليست في حاجة إلى مزيد من التعليق. بهذا أنهى الباحث دراسته.""
الإيضاحات التي أضافها الأستاذ دكتور علي السالوس لهذه الخلاصة
1.حقوق المساهمين لا تعني رأس المال، وإنما يضاف إليه ما حصلوه من إيرادات العام، وما بقي من إيرادات الأعوام السابقة؛ ولذلك فإن من ملك أسهم بنك ربوي، وأراد التوبة، فليس له - بعد التخلص من هذه الأسهم- إلا رأس ماله والإيرادات غير الربوية، وهي نسبة قليلة كما نرى؛ أما نصيب أسهمه من الفوائد الربوية فهي مال خبيث حرام. وعند بيان حكم التعامل في الأوراق المالية -وهي الأسهم والسندات- لا يكفي القول بأن السندات قروض ربوية فهي حرام، وأن الأسهم هي حصص شائعة في شركة فهي حلال؛ فنشاط الشركة إذا كان محرمًا فأسهمها حرام بلا شك، وإن لم تكن قروضًا ربوية كالسندات. فمن اشترى أسهمًا في بنك ربوي فهو من الذين يأكلون الربا، ويأذنون بحرب من الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ومن اشترى أسهمًا لشركة صناعة الخمور فهو ملعون مطرود من رحمة الله تعالى.
2.نسبة الاستثمارات المالية (0.5%) ، وهي أساسًا في السندات، وقل أن تكون في الأسهم. وهذا يعني أن الاستثمار ليس من طبيعة عمل البنك.
3.الودائع التي اقترضها البنك أقرضها كاملة (100%) وأقرض أيضًا 46% زيادة على هذه الودائع، فمن أين جاءت هذه الزيادة؟! تذكر ما قيل عن خلق النقود أو الائتمان!
4.في حساب الأرباح والخسائر نلاحظ ضخامة الفرق بين الفوائد التي أخذها من المقترضين، والفوائد التي أعطاها المودعين المقرضين، فلم يعط إلا 55% من الفوائد التي حصلها، وأخذ البنك لنفسه 45%، وهذا هو الدخل الأساسي للبنك حيث أنه يمثل 85.8% من جملة الإيرادات.
وبعد
كنت من قبل احتفظت ببعض ما نشر من ميزانيات البنوك الربوية لأبين طبيعة عمل هذه البنوك، ولكن بعد ما سبق من عرض ودراسة أظن أن الأمر أصبح واضحًا جليًا، لا يحتاج إلى المزيد.
وهنا أوجه دعوة لإخواني في المنتدى:
من أراد أن يساهم في هذا البحث عن طريق عمل دراسة مماثلة للدراسة الآنفة أعلاه حول البنوك الربوية في الكويت فليفعل وله الأجر من رب العزة والجلالة.
أحبتي في الله
لازلنا في المبحث الثاني (طبيعة عمل البنوك) وسوف نكمل الجزء الثالث من المبحث متى ما سمحت الظروف.
لذلك أرجوا أن يؤجل النقاش في هذا المبحث، علمًا بأن باب النقاش مفتوح فيما يتعلق بالمبحث الأول (الربا)
... الفهرس العام
الأحداث المعاصرة في ضوء السنن الربانية 1/2 ... 2
حرب الأمس واليوم ... 42
ضوابط الفتيا في النوازل المعاصرة (1/2) ... 47
ضوابط الفتيا في النوازل المعاصرة (1/2) ... 75
الحرب الصليبية الثالثة أمريكية ... 95
الجذور الاقتصادية للحرب على العراق ... 105
أولويات المرحلة القادمة ! ... 114
المخالفات الشرعية في بطاقتي الخير والتيسير الائتمانية ... 134
الحرب على الله ورسوله ... 157
النقود: أثمان أم سلع؟ ... 160
الرأسمالية بأبشع صورها ... 164
المضاربة بالأسهم: متاجرة، أم مقامرة؟ ... 166
موقف العامة من خلاف المفتين ... 175
سوق الأسهم..على شفا انهيار ... 184
زكاة الأسهم المتعثرة ... 189
المساهمة في الشركات التي أعلنت توقفها عن الأنشطة المحرمة ... 215
تحريم العينة ، وجواز التورق بلا قيد ولا شرط ... 229