فهرس الكتاب

الصفحة 1138 من 1226

فئة مصدِّرة للتأمين، وفئة مستوردة. ولا شك أن الرابحة في هذه العملية هي المصدرة، وأن الخاسرة هي المستوردة؛ وذلك أن المصدر لهذه البضاعة لا يصدر ما ينفع الناس، وإنما ما يسلبهم أموالهم في لعبة معروف فيها سلفًا من الرابح ومن الخاسر، وهي ما يعرف بلعبة الذئب مع الغنم. إن الدول المصدرة للتأمين تأخذ الكثير ولا ترد منه إلا النزر اليسير. تلك الدول التي تمتلك شركات التأمين الكبرى، وخاصة منها شركات إعادة التأمين التي تصب أموال العالم في مشارق الأرض ومغاربها في أحواضها. إن التأمين بما فيه إعادة التأمين إنهاك للاقتصاد العالمي، وخاصة الدول الفقيرة منه؛ حيث تسحب به الدول القوية المصدرة للتأمين مبالغ طائلة من ثروة الدول الفقيرة مما يربك ميزانية مدفوعاتها .

رابعًا: عجز بعض المشاريع عن القيام بسبب الكلفة التأمينية:

تمنع أكثر دول العالم من إقامة أي مشروع صناعي أو تجاري، أو غيره مما ما لم يؤمن عليه صاحبه مسبقًا. وقد تكون التكلفة التأمينية من الجسامة بحيث تكون عبئًا ثقيلًا على مثل هذه المشاريع، وخاصة الصغيرة منها؛ بل إنها تحول دون قيامها اصلًا. وهذه حقيقة في الدول التأمينية على وجه الخصوص. وقد أجريتُ في مصر مقابلة مع عدد من الأشخاص من أصحاب المهارات الخاصة في الحرف والصناعات والكفاءات المتميزة ممن كان بإمكانهم إقامة معامل إنتاج ذات قدرات محدودة تقضي حاجات كثير من الناس وتثري الإنتاج الفني، وكان سؤالي يتوجه حول السبب في عدم إقامتهم لمثل هذه المشاريع، فكانت إجابة حوالي 55% منهم بأن المانع هو ارتفاع نفقة الإنشاء وخاصة التأمين. ويصرح حوالي 45% بأنه ما منعه إلا تكلفة التأمين، ويقول بعضهم: إنه قد أنشأ شيئًا من ذلك فأجهضه التأمين واضطره إلى توقيفه. وتسمع كثيرًا لهجة مستنكرة تقول: ما ندري: هل نشتغل لتحصيل لقمة العيش، أو لشركات التأمين؟!

خامسًا: الإغراء بإتلاف الأموال عدوانًا:

يتعمد بعض المؤمن لهم إتلاف ماله المؤمن عليه بحريق، أو غيره ليحصل على مبلغ التأمين، وخاصة إذا كانت البضاعة المؤمن عليها كاسدة في الأسواق، أو فات وقتها، أو اكتشف فيها عيبًا. وقد لا يتلفها فعلًا، ولكنه يصرِّفها، ويصطنع تلفها بحريق أو نحوه بما يوافق شروط استحقاق مبلغ التأمين، ويتم ذلك بإغراء الاستفادة من مبلغ التأمين، وخاصة إذا كان الشخص قد دفع مبالغ كبيرة لشركة التأمين دون أن يستفيد منها شيئًا، فيقدم على هذا العدوان بدافع التشفي. وهذه الحوادث مشهورة ومنتشرة في بلاد التأمين أجمع، وهي أشد ما تخشاه شركات التأمين، وتشدد في التحقيق منه عند وقوع الحادث ومثل هذا التصرف خسارة على اقتصاد الأمة، وعدوان بغير حق، وهي إحدى سلبيات التأمين.

سادسًا: تكدس الأموال في أيدي قلة من الناس:

عرف الإنسان منذ قديم الزمان أن تكدس الأموال وتجمعها في أيدي قلة من الناس أمر خطير ينتج عنه كثير من الشرور والتسلطات والآثار السيئة، ويعبَّر عن ذلك في العصور المتأخرة بنظام الطبقات في المجتمع. وقد أجمع علماء الإصلاح الاجتماعي على أنه لا شيء أسوأ على الأمم من انقسام مجتمعها إلى طبقات الأغنياء والفقراء. وأن من الآثار السيئة لتكدس الأموال في أيدي قلة من الناس تسلطهم وتحكمهم في مصير الكثرة، وتسخيرهم لخدمتهم بغير حق، وتوجيه أمور الأمة في جميع جوانبها وفقًا لمصالحهم. وقد نهى الإسلام عن تكدس المال في أيدي فئة قليلة تفسد في الأرض وتتعالى على الناس؛ والتأمين بجميع أنواعه هو الركن الركين لمثل هذا التكدس المشين.

سابعًا: التسبب في كثير من الجرائم:

بسبب إغراء المال والطمع في الحصول على مبالغ التأمين يُقْدِمُ عدد من المؤمن لهم بهذه المبالغ، أو المستحقين لها بعد أصحابها على ارتكاب جرائم شنيعة مروعة من القتل والبتر والتصرفات المنكرة النابية عن أدنى شعور بالرحمة والشفقة واعتبار الآخرين: فهذا يفجر الطائرة بمن فيها في الجو، ليقتل أمه لكي يحصل على تأمينها، وهذا يخنق أباه، وهذا يغرق الباخرة بمن فيها ليحصل على التأمين الكبير لبضاعته، وهذه تسقي زوجها السم ثم ولدها لتستأثر بمبلغ التأمين؛ وهذا يقتل زوجته للغرض نفسه، وهكذا سلاسل الجرائم المنكرة التي لا يعرفها عصر غير عصر التأمين.

هذا وإن جرائم التأمين من أفظع الجرائم التي عرفتها البشرية وأشدها وحشية منذ فجر التاريخ؛ ذلك أن هذه الجرائم تستهدف أكثر ما تستهدف الأقرباء؛ فقد أخرج الباحث (شيفر ماكس) بحثًا علميًا دقيقًا رتب فيه جرائم التأمين حسب ما رصدته ملفات مخابرات الشرطة الدولية ودراساتها، ودفاتر الضبط في محاكم العالم فوجد أنه يأتي في المرتبة الأولى من جرائم القتل بسبب إغراء التأمين قتل الزوجة لزوجها، ويأتي في المرتبة الثانية قتل الزوج لزوجته، وفي المرتبة الثالثة يأتي قتل سائر الأقرباء من أم وأب وغيرهم، وفي المرتبة الرابعة قتل الأولاد من قِبَل والديهم، ولا يأتي قتل الأجانب إلا في المرتبة الخامسة. وإنه لمنتهى العجب أن يكون التأمين ـ الذي يقصد به اتقاء الأخطار ورفعها ـ أعظم سبب لأفظع الأخطار وأشنعها!

وليس أدل على ذلك من أن (جاك جراهام) وهو أحد مجرمي التأمين وضع في طرد الهدايا الذي حملته أمه معها في الطائرة لغمًا هائلًا مزق أمه أشلاءًا، ودمر الطائرة بمن فيها في الجو. وأن (ألفريدي تلتمان) قتلت زوجها بالسم، ثم ابنها تخلصًا منهما لتنفرد بمبلغ التأمين من بعدهما. وأن (جوفياني فينا رولي) قتل زوجته بالخدعة شر قتلة. وأن (جوليان هرفي) قتل بالرصاص جميع من كان على ظهر إحدى البواخر بمن فيهم زوجته، ثم أغرق الباخرة لكي يحصل على تأمين زوجته الضخم. قصص وقصص تكاد ألاَّ يصدقها العقل. هذه حقيقة التأمين.

ثامنًا: إبطال حقوق الآخرين:

تستخدم شركات التأمين أعدادًا كبيرة من أشهر المحامين في العالم ليتولوا الدفاع بالحق أو الباطل لإبطال حجج خصومها من المؤمَّن لهم، وهي لا تقف عند هذا الحد، بل إنها تستميل بالمال الأطباء المقررين، وقضاة المحاكم القانونيين وكل من له أثر في تقرير الحوادث. إنها تفعل ذلك لإيجاد أي ثغرة تخرج معها من المسؤولية، فتتحلل من دفع مبالغ التأمين المستحقة بوقوع الحادث المؤمن ضده. وما أيسر إيجاد الثغرات، وخاصة مع شروطها المعقدة الخفية التي يصعب الإلمام بها على كثير من الناس، فضلًا عن الإتيان بها على الوجه المطلوب.

تاسعا: إفساد الذمم:

من شروط شركات التأمين شرط يقول: «إنه لا يحق للمؤمن له الذي يقع له الحادث مع غيره أن يعترف بخطئه للآخر مهما كان الخطأ، وإلا فإن الشركة بريئة من التزاماتها بدفع أي مستحقات تترتب على الحادث. ليس هذا فقط بل عليه أن ينكر خطأه، ولو أمام المحكمة، وحتى لو كان خطؤه لا يحتمل الإنكار.

وبهذا الشرط يدفع نظام التأمين المتعاملين معه إلى الكذب وإفساد الذمم، ويملأ المحاكم بالقضايا التي تشغلها الدهر، ولا تنتهي إلا إلى حلول مجحفة تحصل بها شركات التأمين على أموال المؤمن لهم بالباطل دون أن تدفع لهم ما يقابلها من تعويضات عندالأحداث» .

عاشرًا: ضياع المحافظة الفردية على الممتلكات:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت