فهرس الكتاب

الصفحة 492 من 1226

وجمهور العلماء عيَّنوا هذه الأفراد بالسنة ، وهو الفضل الذي وردت السنة بكونه

ربا فهو حرام عندهم ، أعني الفضل في البيع ، فالربا عندهم منحصر في البيع لا

غير ، وذهب البعض إلى أن اللام في ( الربا ) للعهد ، والمراد به ربا الجاهلية ،

فالمآل على هذا التفسير أن القرآن حرَّم ربا الجاهلية ، ولما لم يثبت صورة ربا

الجاهلية من حديث مرفوع متصل إلى الآن لم يلتفت الأئمة والجمهور إليه ، وقالوا:

إن ربا القرآن مجمل والحديث مفسر له ، قال القاضي سناء الله في تفسيره المظهري:

قال جمهور [2] العلماء: هذا مجمل ؛ لأن طلب الزيادة بطريق التجارة غير محرم في

الجملة ، فالمحرم إنما هو زيادة على صفة مخصوصة لا تدرك إلا من قبل الشارع فهو

مجمل ، وما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم التحقه بيانًا . قال الجصاص الرازي

الحنفي: وهو ( أي الربا ) يقع على معانٍ لم يكن الاسم موضوعًا لها في اللغة . وبعد

سرد الأدلة على إجمال الربا قال: فثبت بذلك أن الربا قد صار اسمًا شرعيًّا ؛ لأنه لو

كان باقيًا على حكمه في أصل اللغة لما خفي على عمر لأنه كان عالمًا بأسماء اللغة ؛

لأنه من أهلها اهـ . ثم قال: وإذا كان ذلك على ما وصفنا صار بمنزلة سائر الأسماء

المجملة المفتقرة إلى البيان ، وهي الأسماء المنقولة من اللغة إلى الشرع لمعانٍ لم يكن

الاسم موضوعًا لها في اللغة نحو الصلاة والصوم والزكاة اهـ [3] . وفي جواب

استدلال الشافعية عن كون علة الربا مأكولًا قال الجصاص الرازي: فهذا عندنا لا يدل

على ما قالوا من وجوه ( أحدها ) ما قدَّمنا من إجمال لفظ الربا في الشرع وافتقاره إلى

البيان ، فلا يصح الاحتجاج بعمومه وإنما يحتاج إلى أن يثبت بدلالة أخرى أنه ربا

حتى يحرِّمه بالآية . انتهى . وقال صدر الشريعة الحنفي: والمجمل كآية الربا ؛ فإن

قوله تعالى: { وَحَرَّمَ الرِّبَا } ( البقرة: 275 ) مجمل لأن الربا في اللغة هو

الفضل ، وليس كل فضل حرامًا بالإجماع ، ولم يعلم أن المراد أي فضل ، فيكون

مجملًا ، ثم لمَّا بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم الربا في الأشياء الستة احتيج بعد ذلك إلى الطلب والتأمل ليعرف علة الربا في غير الأشياء الستة [4] ، وكذا في شرح

التحرير لابن الهمام وفي المسلم وفواتح الرحموت ومرقاة الوصول وشرحه مرآة

الأصول وغيرها من كتب الأصول .

قال العلامة النسفي في كشف الأسرار: وكذلك آية الربا مجملة لاشتباه المراد ،

وهذا لا يُدرك بمعاني اللغة بحال فهو في اللغة الفضل ؛ ولكن الله تعالى ما أراده .

وقال العلامة نظام الدين الشاشي: المجمل هو ما احتمل وجوهًا فصار بحال لا

يوقف على المراد إلا ببيان من قِبَل المتكلم ، ونظيره في الشرعيات قوله تعالى:

{ وَحَرَّمَ الرِّبَا } ( البقرة: 275 ) قال ابن نجيم في فتح الغفار: وليس المراد أن كل

مجمل بعد بيان المجمل يحتاج إلى الطلب والتأمل ، فالصلاة بيانها شافٍ فلم تحتج

إلى تأمل بعده ، وبيان الربا غير شافٍ - صار به المجمل مؤولًا وهو يحتاج إلى

الطلب والتأمل كما في الكشف ، فالرجوع إلى الاستفسار في كل مجمل ، والطلب

والتأمل إنما هو في البعض [5] .

قال صاحب فصول البدائع في حكم المجمل: هو التوقف إلى الاستفسار مع

اعتقاد حقيقة ما هو المراد حالًا ثم الطلب والتأمل إن احتيج إليهما كما في الربا ؛ فإن

حديث الأشياء الستة الحاصل من الاستفسار معلل بالإجماع [6] . قال عبد العزيز

البخاري في شرح الأصول للبزدوي: والحاصل أن المجمل قسمان: ما ليس له ظهور

أصلًا كالصلاة والزكاة والربا أو ما له ظهور من وجه كالمشترك [7] .

وإذا ثبت من هذه النقول أن الربا الذي وقع في القرآن مجمل ، وثبت أيضًا

أنه لا يثبت منه حكم بدون تفسير الشارع عليه السلام ، فحينئذ علينا أن نحرر

التفسير الذي ورد عنه عليه السلام ، وهو ما روى عبادة وأبو سعيد وأبو هريرة

وعمر وغيرهم في بيع الأشياء الستة بصورة مخصوصة ، وقد جعله الفقهاء أيضًا

بيانًا للربا كما قال ابن عابدين في نسمات الأسحار: كبيان الربا بالحديث الوارد في

الأشياء الستة وفي نور الأنوار: كالربا في قوله تعالى: { وَحَرَّمَ الرِّبَا } ( البقرة:

275 )فإنه مجمل بينه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: ( الحنطة بالحنطة )

الحديث ، قال ابن أمير الحاج في شرح التحرير لابن الهمام: كبيان الربا بالحديث

الوارد في الأشياء الستة في الصحيحين عن عبادة بن الصامت قال رسول الله صلى

الله عليه وسلم( الذهب بالذهب ، والفضة بالفضة ، والبر بالبر ، والشعير بالشعير ،

والتمر بالتمر ، والملح بالملح مثلًا بمثل ، سواء بسواء ، يدًا بيد ، فمن زاد [8] أو

استزاد فقد أربى الآخذ والمعطي فيه سواء ) وكذلك يلحق في تفسير إجمال الآية

حديث أسامة بن زيد ( الربا في النسيئة ) أخرجه مسلم .

ولا يصح تفسيره بالحديث الذي روي عن جابر وعمرو بن الأحوص بلفظ

( إن ربا الجاهلية موضوع ، وأول ربا أضعه رِبانا ربا عباس بن عبد المطلب ) لأنه

لم يظهر تفسير ربا الجاهلية من حديث مرفوع متصل إلى الآن حتى يكون بيانًا له ،

وكيف وهو مجمل كربا القرآن ؟

فعلى هذا حقيقة الربا: الفضل الذي يكون في البيع ، سواء كان فضل عين أو

أجل ، وإذا بيع شيء من هذه الستة وما في حكمها من جنسه فالفضل والأجل

كلاهما ربا ، وإذا بيع منها شيء بغير جنسه فالأجل فقط ربا وهو ربا النساء ، وكذلك

الزيادة على الثمن المؤجل إذا لم يقض الثمن عند حلول الأجل ، ربا ، وهو ربا

النسيئة .

ففي الأولى أي إذا وقع بيع جنس بجنس ، فلابد لجواز البيع من أمرين:

الأول المساواة في الكيل أو الوزن ، والثاني قبض البدلين في المجلس .

وفي الثانية إذا كان الجنسان من هذه الأشياء الستة وما في حكمها مختلفين ،

فلا يشترط ههنا إلا القبض في المجلس ، ولا يشترط المساواة كيلًا أو وزنًا .

( وفي الثالثة ) أي إذا كانت الأشياء من غير هذه الستة وما في حكمها لا

يجوز الفضل على الثمن المؤجل بعد حلول الأجل إن لم يقض هذا الثمن بمقابلة

الأجل .

والأصل فيه أن المتبايعين يريدان المساواة في البدلين وعليه مدار عقد البيع ،

فلهذا وضع لها الشارع عليه السلام أصول وقوانين يُعرف بها المساواة والفضل

الذي يحكم عليه الشرع بأنه ربا ( الأول ) أن للنقد مزية على النسيئة ( والثاني )

إذا كان البدلان - كيليًّا أو وزنيًّا - فلا بد أن يكونا متساويين في الكيل أو الوزن

( والثالث ) إذا كان أحد البدلين غير المكيل والموزون فما تراضى عليه العاقدان فهو

بدل الآخر ومساوٍ له ، ومن هذه الأصول يعلم ما جعل الشارع عليه السلام من

الفضل ربا في البيع والشراء .

فالفضل والأجل كلاهما ربا في بيع المكيل بالمكيل والموزون بالموزون من

جنسه ؛ لأنه فضل حقيقة أو حكمًا ولا دخل فيه لتراضي العاقدين والبيعين ؛ فإن

تراضي البيعين في أمثال هذا البيع بالفضل أو الأجل أو بكليهما لا يصحح هذا البيع ،

ويكون الفضل والأجل كلاهما ربا لقول النبي صلى الله عليه وسلم ( من زاد ) أي

أعطى الزيادة ( أو استزاد ) أي طلب الزيادة ( فقد أربى ) وفي المدونة أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه راطل أبا رافع فوضع الخلخالين في كفة فرجحت الدراهم ،

فقال أبو رافع: هو لك أنا أحله لك ، فقال أبو بكر: إن أحللته لي فإن الله لم يحله

لي ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول( الذهب بالذهب وزنًا بوزن ،

والورق بالورق وزنًا بوزن ، الزائد [9] والمزاد في النار ) [10] وعند اختلاف الجنس

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت