فهرس الكتاب

الصفحة 721 من 1226

القضية الأولى: يا كل مصاب بخسارة في هذه الأسهم ، اعلم أن الله ابتلاك في المنع كما ابتلاك في العطاء قال تعالى: (( لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ) ) (آل عمران: 186) .

وقال سبحانه: (( وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ) ) (البقرة: 155) .

القضية الثانية: إن هذه الحادثة مورد من موارد الصبر وهو فريضة الوقت في هذه المصيبة ، فتذكر- أخي المسلم - أن الصبر على أقدار الله المؤلمة أحد أصول الإيمان قال صلى الله عليه وسلم"واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك"أخرجه أبو داود بسند صحيح .

وقال صلى الله عليه وسلم: (( واعلم أن النصر مع الصبر وأن الفرج مع الكرب وأن مع العسر يسرا ) ) [3] .

والصبر عباد الله من جميل الخلال، و محمود الخصال ، فلا تتسخط على أقدار الله ولا تقع في سب الدهور والأزمان ولاتلطم وجها أو تشق جيبا، واحذر أن تفتح على نفسك باب الشيطان الكبير وهو كلمة"لو"؛ فتقول لو أني ما فعلت ، لو أني ما ساهمت ... إنه أمر قضي وانتهى قال صلى الله عليه وسلم: (( احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا ولكن قل قدر الله وما شاء فعل فإن لو تفتح عمل الشيطان ) ) [4] .

والمؤمن يصبر اختيارًا ، ومن لم يصبر صبر الكرام سلا سلو البهائم .

يقول عمر رضي الله عنه: وجدنا خير عيشنا بالصبر .

ويقول علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- الصبر مطية لا تكبو [5]

يجرى القضاء وفيه الخير نافلة *** لمؤمن واثق بالله لا لاهي

إن جاءه فرح أو نابه ترح *** في الحالتين يقول الحمد لله

وقال الحسن -رحمه الله-"والعبد كنز من كنوز الخير لا يعطيه الله إلا لعبدٍ كريم عنده"وصدق من قال:

والصبر مثل اسمه مرٌّ مذاقه *** لكن عواقبه أحلى من العسلِ

وإذا صبر المؤمن زاد إيمانه ،وتطلع بعده إلى الرضا ،وهو أعلى درجة من الصبر التي يحفظه الله بها عن ما هو أشد منها .

يقول ابن القيم -رحمه الله- الرضا باب الله الأعظم ، وجنة الدنيا ، ومستراح العابدين وقرة عيون المشتاقين ... ومن ملأ قلبه من الرضا بالقدر ملأ الله صدره غنى وأمنًا وفرَّغ قلبه لمحبته والإنابة إليه والتوكل عليه ، ومن فاته حظه من الرضا إمتلأ قلبه بضدِ ذلك واشتغل عما فيه سعادته وفلاحه [6]

إذا اشتدت البلوى تخفّفْ بالرضا عن الله قد فاز الرضيُّ المراقب

وكم نعمة مقرونة ببلية على الناس تخفى والبلايا مواهب

القضية الثالثة: إن في هذا الحدث عبرةً وعظةً تستوجب الخروج من المظالم ، والتوبة من المآثم .. فكم ماطل أقوام بحقوق غيرهم ؟ ... بل وتحايلوا على أموال الناس أو أسمائهم رغبة في الثراء السريع والتجارة العاجلة ، فمنعوا حقوقًا لأصحابها طمعًا في المال وربما كتموا عنهم مقدار الأرباح واستأثروا بها عنهم مستغلين جهلم بحقيقة الاكتتاب وحركة الأسهم... وكم ولغ الناس في الأسهم المحرمة الربوية منها أوالمختلطة ، وتساهلوا في ذلك ولم يبالوا بأي تحذير أو توجيه ... أليس الربا شؤم وبلاء مؤذن بالحرب من رب الأرض والسماء قال تعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ ) ) (البقرة: 279) .

أليس الربا يمحق الخيرات والبركات: قال تعالى: (( يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ ) ) ( البقرة: 276) .

ولذلك إشتد خوف السلف من الحرام وحذروا منه أشد التحذير، إمتثالًا لقوله صلى الله عليه وسلم: (( لا يقبل الله صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول ) ) [7] .

وقال ابن مسعود لا يكتسب عبد مالًا حرامًا فينفق منه فيبارك فيه ولا يتصدق به فيتقبل منه ولا يتركه خلف ظهره إلا كان زاده إلى النار ، إن الله لا يمحو السيء بالسيء ولكن ولكن يمحو السيء بالحسن ، إن الخبيث لا يمحو الخبيث"."

وكانت المرأة توصي زوجها عندما يخرج للعمل وطلب الرزق فتقول له"يا هذا اتق الله فينا: إنا لنصبر على الجوع ولا نصبر على النار".

وللذنوب -عباد الله-: عقوبات وبليات وأزمات ونكبات وقد تساهل الناس بالربا والمشتبهات إلى حد كبير نسأل الله السلامة والعافية حيث تطلّب بعض الناس المال والتجارة من أي طريق قال صلى الله عليه وسلم: (( يأتي على الناس زمان لا يبالي المرء ما أخذ المال أمن حلال أم من حرام ) ) [8] .

وكم من قضايا ومخالفات شرعية حصلت في زحمة انشغال الناس في أسواق الأسهم ،

فمنها: ترك الصلاة بالكلية، أو تأخيرها عن وقتها في صالات الأسهم وأمام الشاشات .

وكم من قضايا الكذب والتزوير والإشاعات والتوصيات الكاذبة ... أليست كلها ذنوب ومعاصي وبعضها موبقات وكبائر ؟ ! .

عباد الله: والمخيف في الأمر أن العقوبة إذا حلّت ونزلت شملت الجميع إلا من رحم ربك قال تعالى: (( وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) ) (الأنفال: 25) .

وفي البخاري باب إذا أنزل الله بقوم عذابا بعثوا على أعمالهم قال ابن حجر رحمه الله وفي الحديث تحذير وتخويف عظيم لمن سكت عن النهي فكيف بمن داهن ؟! فكيف بمن رضي ؟! فكيف بمن عاون ؟! نسأل الله السلامة [9]

ويقول ابن القيم رحمه الله عن الذنوب وآثارها ومن عقوبات الذنوب أنها تزيل النعم وتحل النقم ، ومن تأمل ما قص الله في كتابه من أحوال الأمم الذين أزال نعمه عنهم وجد أن سبب ذلك جميعه إنما هو مخالفة أمره وعصيان رسله وكذلك من نظر في أحوال أهل عصره وما أزال عنهم من نعم وجد ذلك من سوء عواقب الذنوب كما قيل

إذا كنت في نعمة فارعها *** فإن المعاصي تزيل النعم

وحطها بطاعة رب العباد *** فرب العباد سريع النقم [10]

وقال أيضًا وكأنه يشاهد حال الناس اليوم:"ومن عقوباتها أنها تزيل النعم الحاضرة وتقطع النعم الواصلة فتزيل"

الحاصل وتمنع الواصل، فإن نعم الله ما حفظ موجودها بمثل طاعته ولا أُستجلب مفقودها بمثل طاعته، فإن ماعند الله لا ينال إلا بطاعته، وقد جعل الله سبحانه لكل شيء سببًا وآفةً تبطله، فجعل أسباب نعمه الجالبة لها طاعته، وآفاتها المانعة منها معصيته، فإذا أراد حفظ نعمته على عبده ألهمه رعايتها بطاعته فيها، وإذا أراد زوالها عنه خذله حتى عصاه بها .

ومن العجب علم العبد بذلك مشاهدة في نفسه وغيره وسماعا لما غاب عنه من أخبار من أزيلت نعم الله عنهم بمعاصيه وهو مقيم على معصية الله [11]

القضية الرابعة: إن جمع الأموال في مجال واحد وموضع واحد إضافة إلى كونه عرضة للزوال والخسارة في أي لحظة ، ففيه أيضًا تعطيل لمصالح وتجارات وصناعات أخرى

كم تركها الناس وصفّوا أموالهم وباعوا منازلهم وحاجياتهم بل واقترضوا لمدد طويلة وهكذا جمعوا مدخراتهم ليركموها جميعا في سوق الأسهم ؟ فكان ماكان والله المستعان.

ولعل في هذه الحادثة دعوة إلى التعقل والتوازن وتنويع التجارة والاستثمار لئلا تتعطل مصالح المسلمين أو تذهب أموالهم هدرًا وهباءً في يوم وليلة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت