فهرس الكتاب

الصفحة 882 من 1226

والدعوة إلى الله -عز وجل- نوع من أحكام الإسلام؛ أمر الله -عز وجل- بها وحث عليها المصطفى -صلى الله عليه وسلم- فأحكامها ووسائلها راجعة إلى قواعد الشرع وأدلته وأحكامه.

وبناء على ما تقدم نعرف أن المصلحة الدعوية إذا لم يشهد لها الشارع باعتبار أو بإلغاء فهي من قبيل المصلحة المرسلة شرعًا.واعتبارها حجة؛ أمر مقرر عند العلماء، وذلك لقيام الشريعة كلها على جلب المصالح ودفع المضار.

فما يراه الدعاة من أمور الدعوة وقضاياها فيه مصلحة كان حكمه الاعتبار وما رأوا فيه مفسدة كان حكمه الإلغاء والرد. ولكن العلماء خشيةً منهم في دخول الهوى وحظوظ النفس في اعتبار المصلحة أو إلغائها بالنسبة للعلماء أو الدعاة وخصوصًا ما يحدث ويستجد من أمور قد يختلط على الناظر تقدير المصلحة على وجهها الصحيح قرّروا في ذلك ضوابط لا بد منها في الأخذ بالمصلحة، واعتبارها دليلًا يُحتج به في النوازل والحوادث والمستجدات، وعند تغير الظروف والأحوال والأزمنة.

وهذه بعض الضوابط الشرعية في المصلحة الدعوية:-

أولًا: اندراجها ضمن مقاصد الشريعة.

فالمصلحة التي لم ينصّ عليها لا بد أن تكون قائمة على حفظ مقاصد التشريع الخمسة: حفظ الدين والنفس والنسل والعقل والمال، وكل ما يفوت هذه الأصول أو بعضها فهو مفسدة، ثم إن درجة حفظ هذه المقاصد يتدرج إلى ثلاث مراحل بحسب الأهمية، وهي ما أطلق عليه علماء الأصول اسم: الضروريّات والحاجيّات والتحسينيّات (9) .

فكل حكم تشريعي في الإسلام لا يخرج عن هذه المقاصد نُص عيه أو لم ينص عليه؛ بمعنى دلت عليه الأدلة الأخرى ومنها المصلحة المرسلة وذلك لاندراجها تحت نوع من تلك المقاصد الشرعية المعتبرة .

ثانيًا: أن لا تخالف نصوص الكتاب والسنة .

ويدل على ذلك عقلًا: أن المصلحة ليست بذاتها دليل مستقل بل هي مجموع جزئيات الأدلة التفصيلية من القرآن والسنة التي تقوم على حفظ الكليات الخمس، فيستحيل عقلًا أن تخالف المصلحة مدلولها، أو تعارضه، وقد أثبتنا حجّيتها عن طريقه، وذلك من قبيل معارضة المدلول لدليله إذا جاء بما يخالفه وهو باطل.

وقد دل على ذلك من القرآن قوله تعالى: { وَأَنْ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ ( } وقوله تعالى(فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ(( ) وقوله تعالى: { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ }

فاعتبار المصلحة ورد الكتاب والسنة من تحكيم الهوى وهو منازعة لحكم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.

فلا تعتبر المصالح الموهومة غير المستندة إلى نص، وفيها معارضة للكتاب والسنة مثل مصلحة إيجاب الصيام في كفارة الجماع بدل عتق الرقبة في حق الغني، كما أفتى بذلك القاضي يحيى بن يحيى الليثي ـ رحمه الله ـ لوالي الأندلس في عصره.

ومثال ذلك: تحليل الربا باعتباره مصلحة اقتصادية مهمة، وإباحة الزنا وبيع الخمور تشجيعًا للسياحة واستقطاب الأموال.

ومثاله أيضًا: من ذهب إلى القول بنقل صلاة الجمعة إلى يوم الأحد في البلاد الكافرة.

ومثاله أيضًا إلقاء الرخص الشرعية لعدم الحاجة إليها في عصرنا الحاضر كالقصر والفطر في السفر، أو التسوية بين البنت والابن في الميراث بدعوى المصلحة، وغيرها من الأمثلة الكثيرة (12)

وقد خالف في ذلك الإمام الطوفي ـ رحمه الله ـ كما اشتهر عنه, حيث نادى بجواز تقديم المصلحة مطلقًا على النص والإجماع عند معارضتها لهما (13)

وهذا القول لا شك أنه يؤدي إلى تعطيل الشريعة بنظرٍ اجتهاديٍ عقليٍ محض يجعل المجتهد أو الناظر في النصوص يقبل ما شاء منها، ويرد ما شاء بزعم أنها تخالف المصلحة التي يراها من خلال ظنه وهواه، فالمصلحة إذا عارضت النص والإجماع تعتبر ملغاة ولا يعتد بها، ولذلك قال الشيخ الشنقيطي -رحمه الله- ضمن حديثه عن المصلحة المرسلة: »ألا تكون المصلحة في الأحكام التي لا تتغير كوجوب الواجبات، وتحريم المحرمات والحدود والمقدرات الشرعية، ويدخل في ذلك الأحكام المنصوص عليها والمجمع عليها، وما لا يجوز فيه الاجتهاد« (14) .

فالمصلحة إذا خالفت ما هو منصوص عليه أو مجمع عليه فهي فاسدة غير معتبرة .

ثالثًا: أن تكون المصلحة يقينية:

بمعنى أن يعلم المجتهد أو الناظر في اعتبارها قطعيّة وجودها لا أن يظن أو يتوهم أويشك وجود المصلحة المبحوثة في المسألة، ثم يحكم باعتبارها من خلال هذا الظن غير المعتبر في الشرع.

وقد ذكر الإمام الغزالي -رحمه الله- هذا الشرط وذكره من خلال أمثلة من ذلك؛ ما لو تترس الكفار في قلعة بمسلم فقد قال رحمه الله: »لا يحل رمي الترس - أي هذا المسلم الذي تترسوا به - إذ لا ضرورة فبنا غُنية فنعدل عنها، إذ لم نقطع بظفرنا بها ، لأنها ليست قطعية بل ظنية « (15) ، وقال في صدد منع قطع المضطر قطعة من فخذه ليأكلها إلى أن يجد الطعام: » لكن ربما يكون القطع سببًا ظاهرًا في الهلاك يمنع منه؛ لأنه ليس فيه تعيين الخلاص فلا تكون المصلحة قطعيّة« (16)

أما إذا كان الظن بوجود المصلحة ظنًا راجحًا ناشئًا عن الاجتهاد فإنه يُنزّل منزلة اليقين؛ لأن غلبة الظن معتبرة شرعًا إذا عدم القطع (17)

ويكفي للتدليل على اعتبار الظن الغالب في المصلحة ما اعترض به الغزالي -رحمه الله- على نفسه حيث قال: » بأن استئصال الكفار للمسلمين أمر مظنون فكيف نجيز قتل الترس بهذا المظنون؟ وأجاب:» إنما يجوز ذلك عند القطع أو ظن قريب من القطع، والظن القريب من القطع إذا صار كليًا، وعظم الخطر منه فتحتقر الأشخاص الجزئية بالإضافة إليه« (18)

يقول العز بن عبد السلام -رحمه الله-:"كَذِب الظنون نادر وصدقها غالب - أي في المصالح والمفاسد - وكذلك يُبنى جلب مصالح الدارين ودفع مفاسده على ظنون غالبة متفاوتة في القوة و الضعف والتوسط بينهما، على قدر حرمة المصلحة والمفسدة ومسيس الحاجة« (19) ."

رابعًا: أن تكون المصلحة كلية.

بمعنى ألاّ تقتصر على فئة وتضر أخرى، وهذا الشرط ذكره الغزالي -رحمه الله- كذلك وضرب له أمثلة منها: »إذا كان جماعة في مخمصة، ولو أكلوا واحدًا منهم بالقرعة لنجوا « وقال: » لا رخصة فيه؛ لأن المصلحة ليست كلية، ومثلها لو كان جماعة في سفينة لو طرحوا واحدًا منهم لنجوا وإلا غرقوا بجملتهم، وقال: إنها ليست مصلحة كلية؛ إذ يحصل بها هلاك عدد محصور« (20) .

ومما يجدر التنبيه له هنا أن المقصود بكلية المصلحة ليس بأن تعمَّ الأمة جمعاء، بل المراد أن المصلحة المتوخاة لفئة معينة لا ينبغي أن يُنظر فيها إلى قوم منهم دون اعتبار بعضهم ممن هم شهود على هذه المصلحة، وهذا ما أكّده الإمام الزركشي -رحمه الله- في بيانه لمعنى مثال الغزالي -رحمه الله- حيث قال: » وصورة الغزالي إنما هي في أهل محلة بخصوصهم استولى عليها الكفار، لا جميع العالم . وهذا واضح « (21)

فالمصلحة الكلية هنا لا تنفي اعتبار المصلحة الجزئية؛ ولكن إذا حصل التعارض بينهما فلا يُنظر حينئذٍ إلى المصلحة الجزئية في مقابل الكلية. (22)

خامسًا: عدم تفويت المصلحة لمصلحة أهم منها أو مساوية لها.

وهذا الضابط معتبر عند تعارض المصالح في أيهما يُقدّم، ولا شك أن الذي يُقدّم هو الأهم والأولى في الاعتبار، وميزان الأهمية يرجع إلى ثلاثة أمور؛ كما ذكرها د.البوطي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت