ثالثًا: إن قاعدة النظر في المآلات قاعدة معتبرة شرعًا كما بينا ذلك وأكده الإمام الشاطبي -حمه الله- بقوله: »النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعًا كانت الأفعال موافقة أو مخالفة « (36) .
واعتبار المآلات في النظر والاجتهاد أمر مهم للمجتهد يجعل نظره ممتدًا إلى ما يؤول إليه حكمه أو ما يتوقع أن يحدث من المكلف أو ما ينتج عنه في المستقبل ليراعي ذلك كله في اجتهاده (37)
ولاشك أن هذه النظرة الاسستشرافية للمستقبل كما يحتاجها المجتهد والمفتي وأهل القضاء؛ فإن الداعية أحوج ما يكون إليها وهو يقرر أحكام الله -عز وجل- في الأرض ويضع الخطط الإصلاحيه والأهداف والوسائل الدعوية لتنزيلها على مختلف أنواع المكلفين وأصناف المجتمعات وأحوال البيئات والأزمنة.
وكل ذلك يتطلب أن يتجاوز الدعاة واقعهم القريب إلى استشراف المستقبل البعيد، وأن تكون لهم دراسات مستقبلية يتوقعون فيها ما يمكن حدوثه أو يحصل تغيّره، ثم وضع برامجهم الإصلاحية مراعين ما يلزم لذلك من احتياطات واستعدادات تكون سياجًا آمنًا من مفاجآت المستقبل ومتغيرات الزمان.
وليس في ذلك ادعاءٌ للغيب أو تجاوز للشرع؛ وحاش للدعاة أن يدّعوه؛ بل إن ذلك معتبر ضمن ما ذكرناه من قاعدة اعتبار المآلات، والنواميس التي وضعها الله -عز وجل- في الأنفس والمجتمعات والكون ثابتة لا تتغير ومحكمة لا تتبدل إلا إذا شاء الله -عز وجل- ذلك، فإذا اكتشف الدعاة نظام هذه النواميس والسنن وساروا ضمن قانونها العام فإنهم لن يعدموا خيرًا ، إذ قد بذلوا ما في جهدهم من أسبابٍ تحقق لهم العزة والنصر بإذن الله .
وإذا كان واقع الدعوة المعاصرة مع ثقل ما تحمله على كاهلها من واجبات وأعباء لا تعطي لاستشراف المستقبل كبير اهتمام مع ضرورته في وقتنا المعاصر . فإننا نجد كثيرًا من دول العالم الغربي ومنذ زمن بعيد قد اهتمت بذلك الأمر اهتمامًا بالغًا جعل من دولة السويد أن تضع حقيبة وزارية في حكومتها للاهتمام بالمستقبل منذ عام 1973م ، وفي الولايات المتحدة الأمريكية أكثر من ستمائة مؤسسة لدراسة المستقبل (38) ؛إلى غيرها من مؤسسات الاستشراف الكثيرة في الغرب والشرق الأسيوي في حين يفتقد عالمنا العربي والإسلامي إلى مثلها وهو يحمل الكثير من الهموم والمشكلات المتجذرة التي تستلزم حلولًا بعيدة وعلاجات طويلة الأمد .
رابعًا: إن اعتبار حجيّة المصلحة المرسلة جعل جمهور الفقهاء يستخرجوا بناءً عليها أحكامًا شرعية لكثير من المسائل التي صدرت بشأنها القوانين والأنظمة ، كقوانين العمل والعمال وأنظمة التجارة والصناعة والزراعة، وفرض عقوبات رادعة لبعض الجرائم كتعاطي المخدرات والاتجار فيها ، إلى غيرها من الأنظمة والقوانين واللوائح التي تنظم المجتمع ولم يرد بشأنها نص من كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-.
فإذا قررنا اعتبار المصلحة المرسلة في تنظيم شؤون المجتمع وإلزام الناس بها فما الذي يمنع من اعتبار المصلحة في تنظيم شؤون الدعوة وتنظيم أمور الدعاة وفق أنظمة وقوانين ولوائح لها قوة التطبيق والإلزام .
خامسًا: يمارس بعض الدعاة إلى الله نوعًا من التلفيق الاجتهادي المذموم بغية الوصول إلى الهدف المطلوب والسيطرة المنشودة ومدّ النفوذ والعلو على كل موجه؛ تحقيقًا لمصلحتهم الخاصة وإن كانت وسائلها ممنوعة؛ فالغاية عندهم تبرر الوسيلة مهما كانت، والعبرة بإيجاد مصلحتهم المتوهمة ولو خالفت نصوص الشرع وقواعده الكلية .
إن هذا المبدأ الميكافيلي الذي سيطر على مناهج بعض الدعوات المغرضة حقق لهم انتصارات هامشية وامتدادًا سرابيًا بين الناس، ولكن على حساب المبادئ الشرعية والثوابت الخلقية في الإسلام .
يظهر هذا الانتهاك في عدة صور عملية واقعية كالطعن والثلب في العقائد والأعراض وتصيد الأخطاء والزلات لكل داعية يخالف منهجهم وتشويه المناهج الأخرى من أجل التصدر والاعتلاء على الساحة الدعوية.
وقد ترى تقلب المبادئ والمناهج بين الأخذ بالعزائم والتشدد في العقائد والعبادات وامتحان الناس بها وأخذ خواصهم بالرخص الملفقة وإسرارهم بها، يقول عمر بن عبد العزيز منبهًا على خطورة هذا المنهج البدعي الذي ظهر في زمانه: (( من جعل دينه للخصومات أكثر التنقل ) ) (39) كما نجد السعي الدؤوب في تبرير كل اجتهاد نَحَوْه مهما كان انحرافه وليّ أعناق الفتاوى فضلًا عن نصوص الشرع لتوافق أهواءهم وطموحاتهم الحزبية.
إن دعوة قامت على هذا الجرف الهار لا تلبث أن تنهار وتذهب ريحها ويتفرق جمعها (( إن الله لا يصلح عمل المفسدين ) ) (40) وسنن الحق سبحانه في أمثالهم جارية والزمن كفيل بإثبات الحق وإظهاره .
فالمصالح الدعوية إن لم تقم على ربانية صادقة مخلصة وتمييز للثوابت عن المتغيرات والمتغيرات عن الثوابت بفقه دقيق وتأصيل عميق، وإلا كانت بداية انحراف وزيغ وفتنة للدعاة تذكيها مع الأيام حركات فاتنة في صفقات غابنة لا مربح لأحد إلا أعداء الدعوة ودعاة السوء والفتنة.
(1) المستصفى 2/139
(2) شرح الكوكب المنير 4/432
(3) مجموع الفتاوى 11/ 342
(4) انظر: الاستصلاح والمصلحة المرسلة د. الزرقا ص 39 ، السياسة الشرعية د. القرضاوي ص82 .
(5) انظر: إرشاد الفحول 3/808و809 ، الوجيز د. زيدان ص240، رفع الحرج د. الباحسين ص270، وفي ذلك يقول الإمام القرافي رحمه الله:'' وهي عند التحقيق في جميع المذاهب لأنهم يقومون ويقعدون بالمناسبة ولا يطلبون شاهدًا بالاعتبار ؛ ولا نعني بالمصلحة المرسلة إلا ذلك"تنقيح الفصول ص446"
(6) انظر: الموافقات 2/9 .
(7) إعلام الموقعين 3/13 .
(8) الأحكام للآمدي 4/32 .
(9) انظر المستصفى 1/141، شرح تنقيح الفصول ص446، البحر المحيط6/78-79،تقريب الوصول ص412، شرح الكوكب المنير4/432، ضوابط المصلحة للبوطي ص110 ومابعدها.
(10) المائدة 49 .
(11) النساء 59 .
(12) المائدة 44 .
(13) انظر: الاجتهاد المعاصر د. القرضاوي ص 68-72، ضوابط المصلحة للبوطي ص120 .
المسلم المعاصر العدد 13 بعنوان: ( النص والمصلحة بين التطابق والتعارض ) .
(14) المصلحة المرسلة ص10 .
(15) المستصفى 1/ 296 .
(16) المرجع السابق 1/ 297 .
(17) انظر: درر الحكام شرح مجلة الأحكام مادة ( 1004 ) .
(18) المستصفى 1/300 .
(19) مختصر الفوائد في أحكام المقاصد ص 133و 134 .
(20) المرجع السابق 1/296، وانظر أيضًا: إرشاد الفحول ص243 ، رفع الحرج للباحسين ص 265 .
(21) البحر المحيط 6/ 80 . ومثال الغزالي الذي أشار إليه الزركشي مسألة تترس الكفار بأسرى من المسلمين وهذا المثال يجري في هذا الضابط أيضًا لأن المصلحة ليست كلية بل تضرر بها أولئك الأسرى من المسلمين . انظر: ضوابط المصلحة للبوطي ص 341 ، نظرية المصلحة لحسين حامد حسان ص 454 ، رفع الحرج للباحسين ص 264 .
(22) انظر: مختصر الفوائد في أحكام المقاصد لابن عبد السلام ص 141و142 .
(23) انظر: ضوابط المصلحة للبوطي ص217 وما بعدها .
(24) رواه البخاري في كتاب التهجد باب من نام عن السحر رقم (1132) ورواه مسلم في كتاب صلاة المسافرين ، باب في صلاة الليل رقم (741 )
(25) انظر: مختصر الفوائد في أحكام المقاصد لابن عبد السلام ص141و142، قواعد الأحكام 1/66 طبعة دار الكتب العلمية .
(26) قواعد الأحكام ص47 تحقيق الخنّ .
(27) مفتاح دار السعادة 2/14 مكتبة محمد علي صبيح .