وَمَسَاكِنِكُمْ وَالْجُلُوسِ فِيهَا. وَقِيلَ: اثَّاقَلْتُمْ لِأَنَّهُ أَدْغَمَ التَّاءَ فِي الثَّاءِ. فَأُحْدِثَ لَهَا أَلِفٌ لِيُتَوَصَّلَ إِلَى الْكَلَامِ بِهَا. لِأَنَّ التَّاءَ مُدْغَمَةٌ فِي الثَّاءِ، وَلَوْ أُسْقِطَتِ الْأَلْفُ وَابْتُدِئَ بِهَا لَمْ تَكُنْ إِلَّا مُتَحَرِّكَةً، فَأُحْدِثَتِ الْأَلِفُ لِتَقَعَ الْحَرَكَةُ بِهَا، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا} [الأعراف:38] وَكَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
تُولِي الضَّجِيعَ إِذَا مَا اسْتَافَهَا خَصِرًا ... عَذْبَ الْمَذَاقِ إِذَا مَا اتَّابَعَ الْقُبَلَ
فَهُوَ بَنَى الْفِعْلَ افْتَعَلْتُمْ مِنَ التَّثَاقُلِ.
أَرَضِيتُمْ بِحَظِّ الدُّنْيَا وَالدَّعَةِ فِيهَا عِوَضًا مِنْ نَعِيمِ الْآخِرَةِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ لِلْمُتَّقِينَ فِي جِنَانِهِ؟ {فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ} [التوبة:38] يَقُولُ: فَمَا الَّذِي يُسْتَمْتَعُ بِهِ الْمُتَمَتِّعُونَ فِي الدُّنْيَا مِنْ عَيْشِهَا وَلَّذَاتِهَا فِي نَعِيمِ الْآخِرَةِ وَالْكَرَامَةِ الَّتِي أَعَدَّهَا اللَّهُ لِأَوْلِيَائِهِ وَأَهْلِ طَاعَتِهِ {إِلَّا قَلِيلٌ} [النساء:66] يَسِيرٌ. يَقُولُ لَهُمْ: فَاطْلُبُوا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ نَعِيمَ الْآخِرَةِ وَتَرَفَ الْكَرَامَةِ الَّتِي عِنْدَ اللَّهِ لِأَوْلِيَائِهِ بِطَاعَتِهِ، وَالْمُسَارَعَةِ إِلَى الْإِجَابَةِ إِلَى أَمْرِهِ فِي النَّفِيرِ لِجِهَادِ عَدُوِّهِ." [1] "
قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: مَعْنَاهُ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى نَعِيمِ الْأَرْضِ، أَوْ إِلَى الْإِقَامَةِ بِالْأَرْضِ. وَهُوَ تَوْبِيخٌ عَلَى تَرْكِ الْجِهَادِ وَعِتَابٌ عَلَى التَّقَاعُدِ عَنِ الْمُبَادَرَةِ إِلَى الْخُرُوجِ، وَهُوَ نَحْوُ مَنْ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ. وَكَانَتْ تَبُوكُ- وَدَعَا النَّاسَ إِلَيْهَا - فِي حَرَارَةِ الْقَيْظِ وَطِيبِ الثِّمَارِ وَبَرْدِ الظِّلَالِ- كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَلَى مَا يَأْتِي- فَاسْتَوْلَى عَلَى النَّاسِ الْكَسَلُ فَتَقَاعَدُوا وَتَثَاقَلُوا فَوَبَّخَهُمُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ هَذَا وَعَابَ عَلَيْهِمُ الْإِيثَارَ لِلدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ. وَمَعْنَى (أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ) أَيْ بَدَلًا، التَّقْدِيرُ: أَرَضِيتُمْ بِنَعِيمِ الدُّنْيَا بَدَلًا مِنْ نَعِيمِ الْآخِرَةِ
عَاتَبَهُمُ اللَّهُ عَلَى إِيثَارِ الرَّاحَةِ فِي الدُّنْيَا عَلَى الرَّاحَةِ فِي الْآخِرَةِ، إِذْ لَا تُنَالُ رَاحَةُ الْآخِرَةِ إِلَّا بِنَصَبِ الدُّنْيَا. قَالَ - صلى الله عليه وسلم - لِعَائِشَةَ وَقَدْ طَافَتْ رَاكِبَةً: (أَجْرُكِ عَلَى قدر نصبك) .خرجه البخاري. [2]
اعلم أن كثيرا من هذه السورة الكريمة، نزلت في غزوة تبوك، إذ ندب النبي - صلى الله عليه وسلم - المسلمين إلى غزو الروم، وكان الوقت حارا، والزاد قليلا والمعيشة عسرة، فحصل من بعض المسلمين من التثاقل ما أوجب أن يعاتبهم الله تعالى عليه ويستنهضهم، فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} ألا تعملون
(1) - تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (11/ 458)
(2) - تفسير القرطبي (8/ 140)