المبحث الثالث والثلاثون
حكم من أعلن أنه شارك في الغزو والجهاد
قد يجاهد المجاهد مخلصًا لله، وتبقى نيته الخالصة الصادقة لحين انتهاء المعركة، ويعود من المعركة والغزو سالمًا، ثم تظهر له رغبة في ذكر جهاده وغزوه لمن لم يعرف ذلك، ليعرف عنه أنه قد غزا، أو يفصل بعض أحداث غزوه وجهاده، الدالة على شجاعته أو صبره أو حسن ممارسته للحرب، أو نحو ذلك.
وقد وردت الآثار والأخبار على أن عمل هذا حابط، وأن كلامه محبط لجهاده السابق الصادق.
عَنْ عِمْرَانَ، قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ فُلَانًا لَا يُفْطِرُ نَهَارًا الدَّهْرَ، فَقَالَ: «لَا صَامَ وَلَا أَفْطَرَ» [1]
وعَنْ أَبِي قَتَادَةَ: رَجُلٌ أَتَى النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم -،فَقَالَ: كَيْفَ تَصُومُ؟ فَغَضِبَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -،فَلَمَّا رَأَى عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، غَضَبَهُ، قَالَ: رَضِينَا بِاللهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا، نَعُوذُ بِاللهِ مِنْ غَضَبِ اللهِ وَغَضَبِ رَسُولِهِ، فَجَعَلَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يُرَدِّدُ هَذَا الْكَلَامَ حَتَّى سَكَنَ غَضَبُهُ، فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ بِمَنْ يَصُومُ الدَّهْرَ كُلَّهُ؟ قَالَ: «لَا صَامَ وَلَا أَفْطَرَ» - أَوْ قَالَ - «لَمْ يَصُمْ وَلَمْ يُفْطِرْ» [2] .
على المرء أن لا يذكر جهاده وسائر عمله الصالح لغير فائدة، لئلا يكون ذلك محبطًا لعمله. فإن كانت هناك فائدة نافعة من ذكره لجهاده، وخلصت نيته، وانتفى عنه الرياء، فلا مانع من ذلك، وهذا لا يحبط عمله. وذلك كأن يقول: اتفق لبعض المجاهدين كذا، أو: رأيت شخصًا حصل منه كذا، أو أعرف رجلًا فعل كذا. بذلك لا يفهم المخاطب أنه هو الفاعل، ويحصل به المقصود من الإقتداء ونحوه.
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «مَنْ سَمَّعَ النَّاسَ بِعَمَلِهِ سَمَّعَ اللهُ بِمَسَامِعِ خَلْقِهِ وَصَغَّرَهُ وَحَقَّرَهُ» . [3] .
(1) - السنن الكبرى للنسائي (3/ 181) (2694) صحيح
(2) - صحيح مسلم (2/ 818) 196 - (1162)
(3) - مسند أحمد ط الرسالة (11/ 56) (6509) وحلية الأولياء وطبقات الأصفياء (4/ 123) صحيح