فَإِنْ أَبَوِا الإِْجَابَةَ إِلَى الإِْسْلاَمِ دَعَوْهُمْ إِلَى الذِّمَّةِ إِلاَّ مُشْرِكِي الْعَرَبِ وَالْمُرْتَدِّينَ (لأَِنَّهُ لاَ يُقْبَل مِنْهُمْ إِلاَّ الإِْسْلاَمُ) فَإِنْ أَجَابُوا كَفُّوا عَنْهُمْ، وَإِنْ أَبَوْا اسْتَعَانُوا بِاَللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَلَى قِتَالِهِمْ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ فِي الْمَشْهُورِ إِلَى أَنَّهُمْ يُدْعَوْنَ وُجُوبًا سَوَاءٌ بَلَغَتْهُمُ الدَّعْوَةُ أَمْ لاَ، مَا لَمْ يُعَاجِلُونَا بِالْقِتَال أَوْ يَكُونُ الْجَيْشُ قَلِيلًا، قَالُوا: وَمِنْ هَذَا الْقَبِيل كَانَتْ إِغَارَةُ سَرَايَاهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.
وَلِلْحَنَابِلَةِ تَفْصِيلٌ بَيَّنَهُ ابْنُ قُدَامَةَ بِقَوْلِهِ: أَهْل الْكِتَابِ وَالْمَجُوسُ لاَ يُدْعَوْنَ قَبْل الْقِتَال، لأَِنَّ الدَّعْوَةَ قَدِ انْتَشَرَتْ وَعَمَّتْ، فَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ إِلاَّ نَادِرًا بَعِيدًا. وَأَمَّا عَبَدَةُ الأَْوْثَانِ فَإِنَّ مَنْ بَلَغَتْهُ الدَّعْوَةُ مِنْهُمْ لاَ يُدْعَوْنَ، وَإِنْ وُجِدَ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ دُعِيَ قَبْل الْقِتَال، قَال أَحْمَدُ: كَانَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - يَدْعُو إِلَى الإِْسْلاَمِ قَبْل أَنْ يُحَارِبَ حَتَّى أَظْهَرَ اللَّهُ الدِّينَ وَعَلاَ الإِْسْلاَمُ، وَلاَ أَعْرِفُ الْيَوْمَ أَحَدًا يُدْعَى، قَدْ بَلَغَتِ الدَّعْوَةُ كُل أَحَدٍ، فَالرُّومُ قَدْ بَلَغَتْهُمُ الدَّعْوَةُ وَعَلِمُوا مَا يُرَادُ مِنْهُمْ، وَإِنَّمَا كَانَتِ الدَّعْوَةُ فِي أَوَّل الإِْسْلاَمِ، وَإِنْ دَعَا فَلاَ بَأْسَ. [1]
لا يجوز قتال من لم تبلغهم الدعوة إلا بعد دعوتهم إلى الإسلام، فإن أبوا يطالَبون بدفع الجزية، فإن أبوا جاز قتالهم، ويجوز قتال من بلغتهم الدعوة بدون سابق إنذار، فإن مقصد الجهاد في الإسلام إزالة الكفر والشرك، وإخراج الناس من الظلمات إلى النور، ونشر العدل، ورفع الظلم، وإزالة الفتن، وإزاحة من يقوم في وجه من يبلغ الإسلام وينشره.
فإذا حصلت هذه المقاصد العظيمة بدون قتال لم يُحتج إلى القتال.
فالله خلق بني آدم لعبادته، فلا يجوز قتل أحد منهم إلا من آذى وعاند وأصر على الكفر، أو ارتد، أو ظلم الناس، أو منع الناس من الدخول في الإسلام، أو منع الدعاة من الدعوة إلى الله.
وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ:"مَا قَاتَلَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -،قَوْمًا قَطُّ إِلا دَعَاهُمْ" [2]
(1) - بدائع الصنائع 7/ 100 نشر دار الكتاب العربي، والزرقاني 3/ 111، وقليوبي وعميرة 4/ 218، والدسوقي 2/ 176، والمغني 8/ 361 - 362. الموسوعة الفقهية الكويتية - وزارة الأوقاف الكويتية (5/ 236)
(2) - مسند أحمد ط الرسالة (4/ 16) (2105) صحيح