«ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا .. وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ» .. فالجزاء الذي يلقونه إذن في الدنيا لا يسقط عنهم العذاب في الآخرة، ولا يطهرهم من دنس الجريمة كبعض الحدود الأخرى. وهذا كذلك تغليظ للعقوبة، وتبشيع للجريمة .. ذلك أن الجماعة المسلمة في دار الإسلام يجب أن تعيش آمنة. وذلك أن السلطة المسلمة القائمة على شريعة الله يجب أن تكون مطاعة. فهذا هو الوسط الخير الرفيع الذي يجب توفير الضمانات كلها لازدهاره .. وهذا هو النظام العادل الكامل الذي يجب أن يصان من المساس به ..
فإذا ارتدع هؤلاء الخارجون المفسدون عن غيهم وفسادهم، نتيجة استشعارهم نكارة الجريمة، وتوبة منهم إلى الله ورجوعا إلى طريقة المستقيم - وهم ما يزالون في قوتهم، لم تنلهم يد السلطان - سقطت جريمتهم وعقوبتها معا، ولم يعد للسلطان عليهم من سبيل، وكان الله غفورا لهم رحيما بهم في الحساب الأخير: «إِلَّا الَّذِينَ تابُوا - مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ - فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» ..
والحكمة واضحة في إسقاط الجريمة والعقوبة في هذه الحالة عنهم من ناحيتين:
الأولى: تقدير توبتهم - وهم يملكون العدوان - واعتبار ها دليل صلاح واهتداء ..
والثانية: تشجيعهم على التوبة، وتوفير مؤنة الجهد في قتالهم من أيسر سبيل.
والمنهج الإسلامي يتعامل مع الطبيعة البشرية بكل مشاعرها ومساربها واحتمالاتها والله الذي رضي للمسلمين هذا المنهج هو بارئ هذه الطبيعة، الخبير بمسالكها ودروبها، العليم بما يصلحها وما يصلح لها .. ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير؟ .. [1]
اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا دَخَل الْمُسْلِمُونَ دَارَ الْحَرْبِ فَحَاصَرُوا مَدِينَةً أَوْ حِصْنًا دَعَوُا الْكُفَّارَ إِلَى الإِْسْلاَمِ؛ لِقَوْل ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «مَا قَاتَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -،قَوْمًا حَتَّى دَعَاهُمْ» [2] فَإِنْ أَجَابُوا كَفُّوا عَنْ قِتَالِهِمْ لِحُصُول الْمَقْصُودِ، فعَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى
(1) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص: 1263) وانظر: الموسوعة الفقهية الكويتية - وزارة الأوقاف الكويتية (17/ 158) والموسوعة الفقهية الكويتية - وزارة الأوقاف الكويتية (22/ 123)
(2) - سنن الدارمي (3/ 1588) (2488) صحيح