نَبْذٍ إِلَيْهِمْ، أَمَّا إِنْ بَدَتْ مِنَ الْكُفَّارِ أَمَارَاتُ نَقْضِ الْعَهْدِ جَازَ نَبْذُ الْعَهْدِ إِلَيْهِمْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ (58) } [الأنفال] وَفِي الْمَسْأَلَةِ تَفْصِيلٌ. [1]
أَمَّا الْمُثْلَةُ فَهِيَ الْعُقُوبَةُ الشَّنِيعَةُ مِنْ مِثْل قَطْعِ الأَْنْفِ، وَالأُْذُنِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَهِيَ مَا كَانَتِ ابْتِدَاءً عَلَى غَيْرِ جَزَاءٍ، وَلَكِنْ لَوْ أَنَّ شَخْصًا جَنَى عَلَى قَوْمٍ جِنَايَاتٍ فِي أَعْضَاءٍ مُتَعَدِّدَةٍ، فَاقْتُصَّ مِنْهُ، لَمَا كَانَ التَّشْوِيهُ الَّذِي حَصَل لَهُ مِنَ الْمُثْلَةِ.
وَحَاصِل هَذَا أَنَّ الْمُثْلَةَ بِمَنْ مَثَّل جَزَاءٌ، ثَابِتٌ وَفِيهِ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ، وَالْمُثْلَةُ بِمَنِ اسْتَحَقَّ الْقَتْل لاَ عَنْ مُثْلَةٍ لاَ تَحِل. وَتَأْسِيسًا عَلَى ذَلِكَ فَإِنَّهُ لاَ بَأْسَ بِحَمْل رَأْسِ الْمُشْرِكِ لَوْ فِيهِ غَيْظُهُمْ وَفِيهِ فَرَاغُ قُلُوبِنَا بِانْدِفَاعِ شَرِّهِ.
وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حَمْل رُءُوسِ قَتْلَى الْكُفَّارِ مِنْ بَلَدٍ إِلَى آخَرَ بَيْنَ مُجِيزٍ وَمُحَرِّمٍ، يُنْظَرُ تَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ: (مُثْلَةٌ) . [2]
قَال ابْنُ قُدَامَةَ: إِذَا قَدَرَ عَلَى الْعَدُوِّ فَلاَ يَجُوزُ تَحْرِيقُهُ بِالنَّارِ بِغَيْرِ خِلاَفٍ؛ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي بَعْثٍ فَقَالَ: «إِنْ وَجَدْتُمْ فُلاَنًا وَفُلاَنًا فَأَحْرِقُوهُمَا بِالنَّارِ» ،ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - حِينَ أَرَدْنَا الخُرُوجَ: «إِنِّي أَمَرْتُكُمْ أَنْ تُحْرِقُوا فُلاَنًا وَفُلاَنًا، وَإِنَّ النَّارَ لاَ يُعَذِّبُ بِهَا إِلَّا اللَّهُ، فَإِنْ وَجَدْتُمُوهُمَا فَاقْتُلُوهُمَا» . [3]
فَأَمَّا رَمْيُهُمْ قَبْل أَخْذِهِمْ بِالنَّارِ، فَإِنْ أَمْكَنَ أَخْذُهُمْ بِدُونِهَا لَمْ يَجُزْ رَمْيُهُمْ بِهَا؛ لأَِنَّهُمْ فِي مَعْنَى الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ، وَأَمَّا عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْهُمْ بِغَيْرِهَا فَجَائِزٌ فِي قَوْل أَكْثَرِ أَهْل الْعِلْمِ، وَبِهِ قَال الثَّوْرِيُّ، وَالأَْوْزَاعِيُّ، وَالْحَنَابِلَةُ، وَكَذَلِكَ لاَ يَجُوزُ عِنْدَهُمْ تَغْرِيقُ الْعَدُوِّ بِالْمَاءِ، إِذَا قَدَرَ عَلَيْهِمْ بِغَيْرِهِ. [4]
(1) - المغني 10/ 516 - 522 - ط المنار الأولى.
(2) - ابن عابدين 3/ 225، وجواهر الإكليل 1/ 254، وحاشية الدسوقي 2/ 179، وروضة الطالبين 10/ 250، والمغني 8/ 494.
(3) - صحيح البخاري (4/ 61) (3016)
(4) - المغني 8/ 448، 449.