فهرس الكتاب

الصفحة 259 من 522

المبحث الحادي والعشرون

فضل الخوف في الجهاد في سبيل الله

روى مسلم عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْ غَازِيَةٍ، أَوْ سَرِيَّةٍ، تَغْزُو فَتَغْنَمُ وَتَسْلَمُ، إِلَّا كَانُوا قَدْ تَعَجَّلُوا ثُلُثَيْ أُجُورِهِمْ، وَمَا مِنْ غَازِيَةٍ، أَوْ سَرِيَّةٍ، تُخْفِقُ وَتُصَابُ، إِلَّا تَمَّ أُجُورُهُمْ» [1]

"قَالَ الْقَاضِي: وَالْمَعْنَى مَنْ غَزَا فِي نَفْسِهِ بِقَتْلٍ، أَوْ جُرْحٍ وَلَمْ يُصَادِفْ غَنِيمَةً فَأَجْرُهُ بَاقٍ بِكَمَالِهِ لَمْ يَسْتَوْفِ مِنْهُ شَيْئًا فَيُوَفَّرَ عَلَيْهِ بِتَمَامِهِ فِي الْآخِرَةِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَلَفْظُ تَعَجَّلُوا يَسْتَدْعِي أَنْ يَكُونَ لِكُلِّ غَازٍ فِي نَزَوَاتِهِ ثَوَابٌ، فَمَنْ أَصَابَ السَّلَامَةَ وَالْغَنِيمَةَ اسْتَوْفَى ثُلُثَيْ ثَوَابِهِ فِي الدُّنْيَا بَدَلَ مَا كَانَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ تَعَجَّلَ وَمَنْ لَمْ يَغْنَمْ وَقُتِلَ أَتَمَّ أَجْرَهُ حَيْثُ لَمْ يَتَعَجَّلْ بِشَيْءٍ بَقِيَ قِسْمَانِ مِنْ سَلَمٍ، وَأَخْفَقَ فَقَدْ تَعَجَّلَ بِثُلُثِهِ وَبَقِيَ لَهُ ثُلْثَانِ فِي الْآخِرَةِ، وَمَنْ رَجَعَ مَجْرُوحًا يُقَسَّمُ عَلَى هَذَا التَّقْسِيمِ بِحَسَبِ جُرْحِهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيِعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ اهـ."

وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالرُّجُوعِ سَالِمًا رُجُوعَهُ حَيًّا، فَلَا يَحْتَاجُ إِذًا إِلَى التَّقْسِيمِ بِحَسَبِ الْجِرَاحَةِ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: الْغَازِي إِذَا أَصَابَ غَنِيمَةً وَسَلِمَ، فَقَدْ أَصَابَهُ شَيْئَانِ مِنْ ثَمَرَاتِ الْغَزْوِ، وَبَقِيَ لَهُ دُخُولُ الْجَنَّةِ، فَصَحَّ أَنَّهُ قَدْ تَعَجَّلَ ثُلُثَيِ الْأَجْرِ، فَعَلَى هَذَا تَكُونُ سَلَامَةُ النَّفْسِ وَحُصُولُ الْمَغْنَمِ مِنْ أَجْزَاءِ أَجْرِ الْغَزْوِ اه. وَفِي كَوْنِ السَّلَامَةِ مِنْ أَجْزَاءِ الثَّوَابِ مَحَلُّ بَحْثٍ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَالَ قَصْدُ الْغَازِي فِي

(1) - صحيح مسلم (3/ 1515) 154 - (1906)

(تخفق) قال أهل اللغة الإخفاق أن يغزوا فلا يغنموا شيئا وكذلك كل طالب حاجة إذا لم تحصل فقد أخفق ومنه أخفق الصائد إذا لم يقع له صيد وأما معنى الحديث فالصواب الذي لا يجوز غيره أن الغزاة إذا سلموا أو غنموا يكون أجرهم أقل من أجر من لم يسلم أو سلم ولم يغنم وأن الغنيمة هي في مقابلة جزء من أجر غزوهم فإذا حصلت لهم فقد تعجلوا ثلثي أجرهم المترتب على الغزو وتكون هذه الغنيمة من جملة الأجروهذا موافق للأحاديث الصحيحة المشهورة عن الصحابة كقوله منا من مات ولم يأكل من أجره شيئا ومنا من أينعت له ثمرته فهو يهدبها أي يجتنيهافهذا هو الذي ذكرنا هو الصواب وهو ظاهر الأحاديث ولم يأت حديث صريح صحيح يخالف هذا فتعين حمله على ما ذكرناوقد اختار القاضي عياض معنى هذا الذي ذكرناه بعد حكايته في تفسيره أقوالا فاسدة]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت