المبحث الأربعون
الخلاصة في مسألة التترس
لما كان الإقدام على العدو والانغماس فيه حاسرًا، نوع من التسبب المحمود بقتل النفس، كانت مسألة العمليات الاستشهادية نوعًا محمودًا آخر إذا خلصت النية، لأن التسبب بالقتل كالقتل على رأي الجمهور، كما سنبينه إن شاء الله.
ومسألة التترس التي أجازها العلماء، هي مسألة شبيهة بمسألة العمليات الاستشهادية إلا أن بينهما فارقًا سنبينه فيما بعد، لأن من أجاز قتل المسلمين المتترس بهم لا شك أنه يجيز قتل النفس بالعمليات الاستشهادية إذا كان في ذلك مصلحة للدين، فحرمة إزهاق نفس المسلم كحرمة إزهاق نفسه بل أعظم وهي من الكبائر.
فقد أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ مَنْ أُكْرِهَ عَلَى قَتْل غَيْرِهِ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لَهُ الإِْقْدَامُ عَلَى قَتْلِهِ، وَلاَ انْتِهَاكُ حُرْمَتِهِ بِجَلْدٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَيَصْبِرُ عَلَى الْبَلاَءِ الَّذِي نَزَل بِهِ، وَلاَ يَحِل لَهُ أَنْ يَفْدِيَ نَفْسَهُ بِغَيْرِهِ، وَيَسْأَل اللَّهَ الْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالآْخِرَةِ. [1]
قَال الصَّاوِيُّ الْمَالِكِيُّ: لَوْ قَال لَكَ ظَالِمٌ: إِنْ لَمْ تَقْتُل فُلاَنًا أَوْ تَقْطَعْهُ قَتَلْتُكَ، فَلاَ يَجُوزُ ذَلِكَ وَيَجِبُ عَلَى مَنْ قِيل لَهُ ذَلِكَ أَنْ يَرْضَى بِقَتْل نَفْسِهِ وَيَصْبِرَ [2] .
فمن أجاز قتل المسلم للمصلحة، لا بدَّ له من أن يجيز قتل النفس للمصلحة طردًا لأصله، إلا أن الفقهاء لم يبحثوا العمليات الاستشهادية بوضعها الحالي التي عرفناها في أول البحث، لأن الوسائل تغييرت وأساليب الحرب تطورت.
والفارق الذي لا بد أن يؤخذ بالاعتبار ويفهم به كلام السلف الذين أجازوا قتل المتترس بهم، هو أن السلف أجازوا قتل المتترس بهم حال الضرورة، أما العمليات الاستشهادية فلا يقتضي جوازها إلى ضرورة ملحة كمسألة التترس، فإن المسألتين متشابهتان من وجه مختلفتان من وجه آخر، لأن
(1) - التفسير المنير ـ موافقا للمطبوع - (14/ 247) وتفسير القرطبي ـ موافق للمطبوع - (10/ 183) والموسوعة الفقهية الكويتية - (28/ 202) وانظر تبيين الحقائق 5/ 186،ومجمع الأنهر 2/ 417،والشرح الصغير 2/ 549،وشرح الزرقاني 4/ 88،والمغني 7/ 645،ونهاية المحتاج 7/ 245،و 248
(2) - الشرح الصغير مع حاشية الصاوي 2/ 549.