إن الاستعلاء على ثقلة الأرض وعلى ضعف النفس، إثبات للوجود الإنساني الكريم. فهو حياة بالمعنى العلوي للحياة: وإن التثاقل إلى الأرض والاستسلام للخوف إعدام للوجود الإنساني الكريم. فهو فناء في ميزان الله وفي حساب الروح المميزة للإنسان. [1]
وعَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ [ص:275] ،وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ، وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ، وَتَرَكْتُمُ الْجِهَادَ، سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا لَا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ» [2]
والمعنى أنه إذا ترك الناس الجهاد، وأقبلوا على الزرع ونحوه، تسلط عليهم العدو، لعدم تأهبهم له، وعدم استعدادهم لمواجهته، ولرضاهم بما هم فيه من الأسباب الدنيوية، ولذلك يوقع الله بهم الذل والهوان عقوبة لهم، ولا يتخلصون منه حتى يرجعوا إلى أداء ما أوجبه الله عليهم، من جهاد الكفار، وإقامة الدين، ونصرة الإسلام وأهله.
وإذا ترك الناس الجهاد فإن الله يضربهم بالفقر أيضًا عقابًا لهم.
ولذلك تجد أن الناس لما أعرضوا عن الجهاد وأقبلوا على الدنيا من المباحات أو حتى من المحرمات سلط الله عليهم ذلًا وفقرًاحتى يرجعوا إلى دينهم الحق وإقامة الجهاد في سبيل الله.
فتجد المجاهد يأخذ رزقه وعزه بالسيف بعد الله عز وجل، فهو معزز مكرم في الدنيا والآخرة.
وعَنْ ثَوْبَانَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: «يُوشِكُ الْأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا» ،فَقَالَ قَائِلٌ: وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: «بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ
(1) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص: 2267)
(2) - سنن أبي داود (3/ 274) (3462) صحيح
العينة: عين التاجر يعين تعيينا وعينة، وذلك: إذا باع من رجل سلعة بثمن معلوم إلى أجل معلوم، ثم اشتراها منه بأقل من الثمن الذي باعها به، وقد كره العينة أكثر الفقهاء، فإن اشترى التاجر بحضرة طالب العينة سلعة من آخر بثمن أكثر مما اشتراه بها إلى أجل مسمى، ثم باعها المشتري من البائع الأول بالنقد بأقل من الثمن الذي اشتراها به، فهي أيضا عينة، وهي أهون من الأولى، وأكثر الفقهاء على إجازة العينة مع الكراهية من بعضهم لها، وجملة الأمر: أنها إذا تعرت من شرط يفسدها فهي جائزة، وإن اشتراها المتعين بشرط أن يبيعها من بائعها الأول، فالبيع فاسد عند الجميع، وسميت عينة؛ لحصول النقد لصاحب العينة؛ لأن اشتقاقها من العين، وهو النقد الحاضر. جامع الأصول في أحاديث الرسول ط مكتبة الحلواني الأولى (11/ 765)