[البقرة:5] يَقُولُ: وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ وَصَفْنَا صِفَتَهُمْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا {هُمُ الْفَائِزُونَ} [التوبة:20] بِالْجَنَّةِ النَّاجُونَ مِنَ النَّارِ
يُبَشِّرُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ لَهُمْ أَنَّهُ قَدْ رَحِمَهُمْ مِنْ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ وَبِرِضْوَانٍ مِنْهُ لَهُمْ، بِأَنَّهُ قَدْ رَضِيَ عَنْهُمْ بِطَاعَتِهِمْ إِيَّاهُ وَأَدَائِهِمْ مَا كَلَّفَهُمْ. {وَجَنَّاتٍ} [آل عمران:136] يَقُولُ: وَبَسَاتِينَ لَهُمْ فِيهَا نُعَيْمٌ مُقِيمٌ لَا يَزُولُ وَلَا يَبِيدُ، ثَابِتٌ دَائِمٌ أَبَدًا لَهُمْ" [1] "
ثم صرح بالفضل فقال: {الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ} بالنفقة في الجهاد وتجهيز الغزاة {وَأَنْفُسِهِمْ} بالخروج بالنفس {أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ} أي: لا يفوز بالمطلوب ولا ينجو من المرهوب، إلا من اتصف بصفاتهم، وتخلق بأخلاقهم. {يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ} جودا منه، وكرما وبرا بهم، واعتناء ومحبة لهم، {بِرَحْمَةٍ مِنْهُ} أزال بها عنهم الشرور، وأوصل إليهم [بها] كل خير. {وَرِضْوَانٍ} منه تعالى عليهم، الذي هو أكبر نعيم الجنة وأجله، فيحل عليهم رضوانه، فلا يسخط عليهم أبدا.
{وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ} من كل ما اشتهته الأنفس، وتلذ الأعين، مما لا يعلم وصفه ومقداره إلا الله تعالى، الذي منه أن الله أعد للمجاهدين في سبيله مائة درجة، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، ولو اجتمع الخلق في درجة واحدة منها لوسعتهم. {خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا} لا ينتقلون عنها، ولا يبغون عنها حِوَلا {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} لا تستغرب كثرته على فضل الله، ولا يتعجب من عظمه وحسنه على من يقول للشيء كن فيكون. [2]
فهؤلاء هم الذين يحصلون على أكبر الأجر عند الله تعالى، وهم المؤمنون المهاجرون، والمجاهدون بأموالهم وأنفسهم، والفوز حكم يؤدي إلى أن تأخذ ما تحبه نفسك. فقال الحق موضحًا ما يفوزون به:
{الذين آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وجاهدوا فِي سَبِيلِ الله بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ الله وأولئك هُمُ الفائزون} [التوبة:20] .
تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (11/ 382)
(2) - تفسير السعدي = تيسير الكريم الرحمن (ص: 332)