حَمَّلَ غَيْرَكَ مِنْهُ: أَيْ إِنَّكَ إِنَّمَا تُتْبَعُ بِمَا اكْتَسَبْتَهُ دُونَ مَا اكْتَسَبَهُ غَيْرُكَ، وَإِنَّمَا عَلَيْكَ مَا كُلِّفْتَهُ دُونَ مَا كُلِّفَهُ غَيْرُكَ. ثُمَّ قَالَ لَهُ: {وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ} [النساء:84] يَعْنِي:"وَحُضَّهُمْ عَلَى قِتَالِ مَنْ أَمَرْتُكَ بِقِتَالِهِمْ مَعَكَ. {عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا} [النساء:84] يَقُولُ:"لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَكُفَّ قِتَالَ مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ وَجَحَدَ وَحْدَانِيَّتَهُ، وَأَنْكَرَ رِسَالَتَكَ عَنْكَ وَعَنْهُمْ وَنِكَايَتَهُمْ وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى أَنَّ عَسَى مِنَ اللَّهِ وَاجِبَةٌ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ {وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا} [النساء:84] يَقُولُ:"وَاللَّهُ أَشَدُّ نِكَايَةً فِي عَدُوِّهِ مِنْ أَهْلِ الْكُفْرِ بِهِ مِنْهُمْ فِيكَ يَا مُحَمَّدُ وَفِي أَصْحَابِكَ، فَلَا تَنْكُلَنَّ عَنْ قِتَالِهِمْ، فَإِنِّي رَاصِدُهُمْ بِالْبَأْسِ وَالنِّكَايَةِ وَالتَّنْكِيلِ وَالْعُقُوبَةِ، لَأُوهِنَ كَيْدَهُمْ وَأُضْعِفَ بَأْسَهُمْ وَأُعْلِيَ الْحَقَّ عَلَيْهِمْ. وَالتَّنْكِيلُ مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: نَكَّلْتُ بِفُلَانٍ، فَأَنَا أُنَكِّلُ بِهِ تَنْكِيلًا: إِذَا أَوْجَعْتُهُ عُقُوبَةً. [1] "
ومن خلال هذه الآية تبرز لنا ملامح كثيرة في الجماعة المسلمة يومذاك. كما تبرز لنا ملامج كثيرة في النفس البشرية في كل حين:
«أ» يبرز لنا مدى الخلخلة في الصف المسلم وعمق آثار التبطئة والتعويق والتثبيط فيه حتى لتكون وسيلة الاستنهاض والاستجاشة، هي تكليف النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يقاتل في سبيل الله - ولو كان وحده - ليس عليه إلا نفسه مع تحريض المؤمنين. غير متوقف مضيه في الجهاد على استجابتهم أو عدم استجابتهم! ولو أن عدم استجابتهم - جملة - أمر لا يكون. ولكن وضع المسألة هذا الوضع يدل على ضرورة إبراز هذا التكليف على هذا النحو واستجاشة النفوس له هذه الاستجاشة. فوق ما يحمله النص - طبعا - من حقيقة أساسية ثابتة في التصور الإسلامي. وهي أن كل فرد لا يكلف إلا نفسه ..
«ب» كما يبرز لنا مدى المخاوف والمتاعب في التعرض لقتال المشركين يومذاك .. حتى ليكون أقصى ما يعلق الله به رجاء المؤمنين: أن يتولى هو سبحانه كف بأس الذين كفروا فيكون المسلمون ستارا لقدرته في كف بأسهم عن المسلمين .. مع إبراز قوة الله - سبحانه - وأنه أشد بأسا وأشد تنكيلا .. وإيحاء هذه الكلمات واضح عن قوة بأس الذين كفروا يومذاك والمخاوف المبثوثة في الصف المسلم .. وربما كان هذا بين أحد والخندق. فهذه أخرج الأوقات التي مرت بها الجماعة
(1) - تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (7/ 267)