فهرس الكتاب

الصفحة 163 من 522

وَفِي هَذِهِ الآيَةِ يُخَفِّفُ اللهُ تَعَالَى عَنِ المُؤْمِنِينَ، وَيَجْعَلُ المُسْلِمَ الوَاحِدَ فِي مُقَابَلَةِ اثْنَيْنِ مِنَ الكُفَّارِ (بَيْنَمَا كَانَ فِي الآيَةِ السَّابِقَةِ الوَاحِدُ بِعَشَرَةٍ) ،فَإِذَا كَانَ عَدَدُ المُسْلِمِينَ نِصْفُ عَدَدِ عَدُوِّهِمْ، لَمْ يَسُغْ لَهُم التَّرَدُّدُ فِي لِقَاءِ العَدُوِّ، وَإِذَا كَانُوا دُونَ ذَلِكَ، لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِم القِتَالُ، وَجَازَ لَهُمْ أَنْ يَتَحَرَّزُوا، فَالعَشَرَةُ مِنَ المُؤْمِنِينَ الصَّابِرِينَ يَغْلِبُونَ العِشْرِينَ بِإِذْنِ اللهِ، وَاللهُ يُؤَيِّدُ الصَّابِرِينَ وَيَنْصُرُهُمْ، فَالنَّصْرُ مِنْ عِنْدِ اللهِ، وَبِالإِيمَانِ وَالطَّاعَةِ، وَلَيْسَ بِالعَدَدِ وَالعُدَّةِ. [1]

يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ، وَحَسْبُ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اللَّهُ. يَقُولُ لَهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: نَاهِضُوا عَدُوَّكُمْ، فَإِنَّ اللَّهَ كَافِيكُمْ أَمَرَهُمْ، وَلَا يَهُولَنَّكُمْ كَثْرَةُ عَدَدِهِمْ وَقِلَّةُ عَدَدِكُمْ، فَإِنَّ اللَّهَ مُؤَيِّدُكُمْ بِنَصْرِهِ.

يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ} [الأنفال:65] حُثَّ مُتَّبِعِيكَ وَمُصَدِّقِيكَ عَلَى مَا جِئْتَهُمْ بِهِ مِنَ الْحَقِّ عَلَى قِتَالِ مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى عَنِ الْحَقِّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. {إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ} [الأنفال:65] رَجُلًا {صَابِرُونَ} [الأنفال:65] عِنْدَ لِقَاءِ الْعَدُوِّ، يَحْتَسِبُونَ أَنْفُسَهُمْ وَيَثْبُتُونَ لِعَدُوِّهِمْ {يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ} مِنْ عَدُوِّهِمْ وَيَقْهَرُوهُمْ. {وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ} عِنْدَ ذَلِكَ {يَغْلِبُوا} [الأنفال:65] مِنْهُمْ {أَلْفًا} [الأنفال:65] . {بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ} [الأنفال:65] يَقُولُ: مِنْ أَجْلِ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ قُومٌ يُقَاتِلُونَ عَلَى غَيْرِ رَجَاءِ ثَوَابٍ وَلَا لِطَلَبِ أَجْرٍ وَلَا احْتِسَابٍ؛ لَأَنَّهُمْ لَمْ يَفْقَهُوا أَنَّ اللَّهَ مُوجِبٌ لِمَنْ قَاتَلَ احْتِسَابًا وَطَلَبَ مَوْعُودَ اللَّهِ فِي الْمَعَادِ مَا وَعَدَ الْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِهِ، فَهُمْ لَا يَثْبُتُونَ إِذَا صَدَقُوا فِي اللِّقَاءِ خَشْيَةَ أَنْ يُقْتَلُوا فَتَذْهَبَ دُنْيَاهُمْ. ثُمَّ خَفَّفَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ عَلِمَ ضَعْفَهُمْ فَقَالَ لَهُمْ: {الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا} [الأنفال:66] يَعْنِي أَنَّ فِي الْوَاحِدِ مِنْهُمْ عَنْ لِقَاءِ الْعَشَرَةِ مِنْ عَدُوِّهِمْ ضَعْفًا {فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ} عِنْدَ لِقَائِهِمْ لِلثَّبَاتِ لَهُمْ {يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ} مِنْهُمْ {وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ} [الأنفال:66] مِنْهُمْ {بِإِذْنِ اللَّهِ} [البقرة:97] يَعْنِي بِتَخْلِيَةِ اللَّهِ إِيَّاهُمْ لِغَلَبَتِهِمْ وَمَعُونَتِهِ إِيَّاهُمْ. {وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة:249] لِعَدُوِّهِمْ وَعَدُوِّ اللَّهِ، احْتِسَابًا فِي صَبْرِهِ وَطَلَبًا لِجَزِيلِ الثَّوَابِ مِنْ رَبِّهِ، بِالْعَوْنِ مِنْهُ لَهُ وَالنَّصْرِ عَلَيْهِ. [2]

(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص: 1225،بترقيم الشاملة آليا)

(2) - تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (11/ 259)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت