أحدهما: أنها بصورة الخبر، والأصل في الخبر أن يكون على بابه، وأن المقصود بذلك الامتنان والإخبار بالواقع.
والثاني: تقييد ذلك العدد أن يكونوا صابرين بأن يكونوا متدربين على الصبر.
ومفهوم هذا أنهم إذا لم يكونوا صابرين، فإنه يجوز لهم الفرار، ولو أقل من مثليهم [إذا غلب على ظنهم الضرر] كما تقتضيه الحكمة الإلهية.
ويجاب عن الأول بأن قوله: {الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ} إلى آخرها، دليل على أن هذا أمر (2) لازم وأمر محتم، ثم إن الله خففه إلى ذلك العدد،.فهذا ظاهر في أنه أمر، وإن كان في صيغة الخبر. وقد يقال: إن في إتيانه بلفظ الخبر، نكتة بديعة لا توجد فيه إذا كان بلفظ الأمر،.وهي تقوية قلوب المؤمنين، والبشارة بأنهم سيغلبون الكافرين.
ويجاب عن الثاني: أن المقصود بتقييد ذلك بالصابرين، أنه حث على الصبر، وأنه ينبغي منكم أن تفعلوا الأسباب الموجبة لذلك [فإذا فعلوها صارت الأسباب الإيمانية والأسباب المادية مبشرة بحصول ما أخبر الله به من النصر لهذا العدد القليل] [1] .
يأتي الأمر بتحريض المؤمنين على القتال - في سبيل الله - وقد تهيأت كل نفس، واستعد كل قلب وشد كل عصب، وتحفز كل عرق وانسكبت في القلوب الطمأنينة والثقة واليقين: «يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ» ..
حرضهم وهم لعدوهم وعدو الله كفء، وإن قل عددهم وكثر أعداؤهم وأعداء الله حولهم: «إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ، وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا» ..
فأما تعليل هذا التفاوت فهو تعليل مفاجئ عجيب. ولكنه صادق عميق: «بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ» ..
فما صلة الفقه بالغلب في ظاهر الأمر؟ ولكنها صلة حقيقية، وصلة قوية .. إن الفئة المؤمنة إنما تمتاز بأنها تعرف طريقها، وتفقه منهجها، وتدرك حقيقة وجودها وحقيقة غايتها .. إنها تفقه حقيقة الألوهية وحقيقة العبودية فتفقه أن الألوهية لا بد أن تنفرد وتستعلي، وأن العبودية يجب أن تكون لله وحده بلا شريك.
(1) - تفسير السعدي = تيسير الكريم الرحمن (ص: 325)