للإسلام منافقون وفيهم المنساقون إلى الإسلام الظاهر القاهر وفيهم المؤلفة قلوبهم دون انطباع بحقائق الإسلام الجوهرية ولا امتزاج بروحه الحقيقية ... ».
ومن هذه المقتطفات يتضح لنا مركز السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بعد ذلك «بإحسان» يصل بهم إلى مستواهم الإيماني وبلائهم الحركي. وندرك حقيقة دورهم الباقي في بناء الإسلام وترجمته إلى واقع عملي يبقى مؤثرا في التاريخ البشري كله، كما نستشرف حقيقة قول الله سبحانه فيهم: «رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ» .. ورضى الله عنهم هو الرضى الذي تتبعه المثوبة، وهو في ذاته أعلى وأكرم مثوبة ورضاهم عن الله هو الاطمئنان إليه سبحانه، والثقة بقدره، وحسن الظن بقضائه، والشكر على نعمائه، والصبر على ابتلائه ..
ولكن التعبير بالرضى هنا وهناك يشيع جو الرضى الشامل الغامر، المتبادل الوافر، الوارد الصادر، بين الله سبحانه وهذه الصفوة المختارة من عباده ويرفع من شأن هذه الصفوة - من البشر - حتى ليبادلون ربهم الرضى وهو ربهم الأعلى، وهم عبيده المخلوقون .. وهو حال وشأن وجو لا تملك الألفاظ البشرية أن تعبر عنه ولكن يتنسم ويستشرف ويستجلى من خلال النص القرآني بالروح المتطلع والقلب المتفتح والحس الموصول! ذلك حالهم الدائم مع ربهم: «رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ» .وهناك تنتظرهم علامة هذا الرضى: «وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا» .. «ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ» .. وأي فوز بعد هذا وذلك عظيم؟؟؟ [1]
وقال تعالى: {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (11) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (12) } [الواقعة:10 - 12] .
أَمَّا الصّنْفُ الثَّالِثُ فَهُم السَّابِقُونَ فِي الدُّنْيَا إِلَى الإِيْمَانِ، وَفِعْلِ الخَيْرَاتِ، وَأَدَاءِ الطَّاعَاتِ، وَهَؤُلاَءِ يَكُونُونَ سَابِقِينَ إِلَى الفَوْزِ بِرَحْمَةِ اللهِ، وَبِدُخُولِ الجَنَّةِ. وَهَؤُلاءِ السَّابِقُونَ هُم الذِينَ نَالُوا الحُظْوَةَ عِنْدَ اللهِ في الجَنَّةِ. وَيَتَمَتَّعُونَ فِي الجَنَّةِ بِمَا لاَ عَيْنٌ رَأَتْ وَلاَ أُذْنٌ سَمِعَتْ وَلاَ خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ. [2]
(1) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص: 2318)
(2) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص: 4868،بترقيم الشاملة آليا)