الثَّالِثُ- اذْكُرُوا مَا عِنْدَكُمْ مِنْ وَعْدِ اللَّهِ لَكُمْ فِي ابْتِيَاعِهِ أَنْفُسَكُمْ وَمُثَامَنَتِهِ لَكُمْ.
قُلْتُ: وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ ذِكْرُ اللِّسَانِ الْمُوَافِقُ لِلْجَنَانِ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ: لَوْ رُخِّصَ لِأَحَدٍ فِي تَرْكِ الذِّكْرِ لَرُخِّصَ لِزَكَرِيَّا، يَقُولُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ:"أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا" [آل عمران:41] .وَلَرُخِّصَ لِلرَّجُلِ يَكُونُ فِي الْحَرْبِ، يَقُولُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ:"إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا".وقال قتادة: افترض الله عز وجل ذِكْرَهُ عَلَى عِبَادِهِ، أَشْغَلَ مَا يَكُونُونَ عِنْدَ الضِّرَابِ بِالسُّيُوفِ. وَحُكْمُ هَذَا الذِّكْرِ أَنْ يَكُونَ خَفِيًّا، لِأَنَّ رَفْعَ الصَّوْتِ فِي مَوَاطِنِ الْقِتَالِ ردئ مَكْرُوهٌ إِذَا كَانَ الذَّاكِرُ وَاحِدًا فَأَمَّا إِذَا كَانَ مِنَ الْجَمِيعِ عِنْدَ الْحَمَلَةِ فَحَسَنٌ، لِأَنَّهُ يَفُتُّ فِي أَعْضَادِ الْعَدُوِّ. وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنْ قَيْسِ بْنِ عَبَّادٍ قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَكْرَهُونَ الصَّوْتَ عِنْدَ الْقِتَالِ. وَرَوَى أَبُو بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - مِثْلَ ذَلِكَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُكْرَهُ التَّلَثُّمُ عِنْدَ الْقِتَالِ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَبِهَذَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ اسْتَنَّ الْمُرَابِطُونَ بِطَرْحِهِ عِنْدَ الْقِتَالِ عَلَى صيانتهم به. [1]
فأما الثبات فهو بدء الطريق إلى النصر. فأثبت الفريقين أغلبهما. وما يدري الذين آمنوا أن عدوهم يعاني أشد مما يعانون وأنه يألم كما يألمون، ولكنه لا يرجو من الله ما يرجون فلا مدد له من رجاء في الله يثبت أقدامه وقلبه! وأنهم لو ثبتوا لحظة أخرى فسينخذل عدوهم وينهار وما الذي يزلزل أقدام الذين آمنوا وهم واثقون من إحدى الحسنيين: الشهادة أو النصر؟ بينما عدوهم لا يريد إلا الحياة الدنيا وهو حريص على هذه الحياة التي لا أمل له وراءها ولا حياة له بعدها، ولا حياة له سواها؟! وأما ذكر الله كثيرا عند لقاء الأعداء فهو التوجيه الدائم للمؤمن كما أنه التعليم المطرد الذي استقر في قلوب العصبة المؤمنة، وحكاه عنها القرآن الكريم في تاريخ الأمة المسلمة في موكب الإيمان التاريخي.
ومما حكاه القرآن الكريم من قول سحرة فرعون عندما استسلمت قلوبهم للإيمان فجأة، فواجههم فرعون بالتهديد المروع البشع الطاغي، قولهم: «وَما تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنا لَمَّا جاءَتْنا. رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ» ..
(1) - تفسير القرطبي (8/ 23)