"فِي هَذَا الْحَدِيثِ إِبَاحَةُ الْمَشْيِ بِاللَّيْلِ فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ جَازَ الِاسْتِخْدَامُ بِالْمَمَالِيكِ وَالْأَحْرَارِ إِذَا اشْتَرَطَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وَكَانَتْ ضَرُورَةً وَفِيهِ إِتْعَابُ الدَّوَابِّ بِاللَّيْلِ عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَى ذَلِكَ مَا لَمْ يَكُنْ سَرْمَدًا لِأَنَّ الْعِلْمَ مُحِيطٌ أَنَّهُمْ لَمْ يَخْلُوا مِنْ مَمْلُوكٍ يَخْدِمُهُمْ وَأَجِيرٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَفِيهِ أَنَّ الْغَارَةَ عَلَى الْعَدُوِّ إِنَّمَا يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ فِي وَجْهِ الصَّبَاحِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ التَّبْيِينِ وَالنَّجَاحِ فِي الْبُكُورِ وَفِيهِ أَنَّ مَنْ بَلَغَتْهُ الدَّعْوَةُ مِنَ الْكُفَّارِ لَمْ يَلْزَمْ دُعَاؤُهُ وَجَازَتِ الْغَارَةُ عَلَيْهِ وَطَلَبُ غَفْلَتِهِ وَغُرَّتِهِ" [1]
"وفِيهِ دَلِيلٌ لِاسْتِحْبَابِ الذِّكْرِ وَالتَّكْبِيرِ عِنْدَ الْحَرْبِ وَهُوَ مُوَافِقٌ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا الله كثيرا وَلِهَذَا قَالَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ الثَّلَاثَ كَثِيرٌ" [2]
وقال ابن رجب:"في هذا الحديث فوائد كثيرة:"
منها: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان لا يغير على العدو.
والإغارة: تبيت العدو ليلًا.
وقد جاءت نصوص أخر بإباحة
الإغارة، وموضع ذكر ذلك"كتاب الجهاد"- إن شاء الله.
ومنها: التفاؤل؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما رآهم خرجوا بالمكاتل - وهي: الزبيل والقفاف -،والمساحي - وهي: المجرفة -،وهذه آلات الحراث، ووقع الأمر كذلك.
ومنها: التكبير على العدو عند مشاهدته.
ويحتمل أن يكون سر ذلك أن التكبير طارد لشيطان الجن تقارنهم، فإذا انهزمت شياطينهم المقترنة بهم انهزموا، كما جرى للمشركين يوم بدر، فإن إبليس كان معهم يعدهم ويمنيهم، فلما انهزم انهزموا." [3] "
وقَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ اسْتِحْبَابُ التَّكْبِيرِ عِنْدَ لِقَاءِ الْعَدُوِّ، وَفِيهِ جَوَازُ الِاسْتِشْهَادِ فِي مِثْلِ هَذَا الشَّأْنِ بِالْقُرْآنِ فِي الْأُمُورِ الْمُحَقَّقَةِ، وَقَدْ جَاءَ لَهُ نَظَائِرُ؛ مِنْهَا عِنْدَ فَتْحِ مَكَّةَ وَطَعْنِ الْأَصْنَامِ. قَالَ: جَاءَ
(1) - التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (2/ 215) والاستذكار (5/ 143)
(2) - شرح النووي على مسلم (9/ 219)
(3) - فتح الباري لابن رجب (5/ 231)