العداء في يوم من الأيام! وهم يعللون هذا بأن الآخذ يحس بالنقص والضعف أمام المعطي ويظل هذا الشعور يحز في نفسه فيحاول الاستعلاء عليه بالتجهم لصاحب الفضل عليه وإضمار العداوة له لأنه يشعر دائما بضعفه ونقصه تجاهه ولأن المعطي يريد منه دائما أن يشعر بأنه صاحب الفضل عليه! وهو الشعور الذي يزيد من ألم صاحبه حتى يتحول إلى عداء!
وقد يكون هذا كله صحيحا في المجتمعات الجاهلية - وهي المجتمعات التي لا تسودها روح الإسلام ولا يحكمها الإسلام - أما هذا الدين فقد عالج المشكلة على نحو آخر. عالجها بأن يقرر في النفوس أن المال مال الله وأن الرزق الذي في أيدي الواجدين هو رزق الله .. وهي الحقيقة التي لا يجادل فيها إلا جاهل بأسباب الزرق البعيدة والقريبة، وكلها منحة من الله لا يقدر الإنسان منها على شيء. وحبة القمح الواحدة قد اشتركت في إيجادها قوى وطاقات كونية من الشمس إلى الأرض إلى الماء إلى الهواء. وكلها ليست في مقدور الإنسان ..
وقس على حبة القمح نقطة الماء وخيط الكساء وسائر الأشياء .. فإذا أعطى الواجد من ماله شيئا فإنما من مال الله أعطى وإذا أسلف حسنة فإنما هي قرض لله يضاعفه له أضعافا كثيرة. وليس المحروم الآخذ إلا أداة وسببا لينال المعطي الواهب أضعاف ما أعطى من مال الله! [1]
وعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ بِنَاقَةٍ مَخْطُومَةٍ، فَقَالَ: هَذِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم: «لَكَ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ سَبْعُ مِائَةِ نَاقَةٍ كُلُّهَا مَخْطُومَةٌ» [2]
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -،قَالَ:"مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، نُودِيَ مِنْ أَبْوَابِ الجَنَّةِ: يَا عَبْدَ اللَّهِ هَذَا خَيْرٌ، فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلاَةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّلاَةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الجِهَادِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الجِهَادِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الرَّيَّانِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّدَقَةِ"،فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا عَلَى مَنْ دُعِيَ مِنْ تِلْكَ الأَبْوَابِ مِنْ ضَرُورَةٍ، فَهَلْ يُدْعَى أَحَدٌ مِنْ تِلْكَ الأَبْوَابِ كُلِّهَا، قَالَ: «نَعَمْ وَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ» [3]
(1) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص: 558)
(2) - صحيح مسلم (3/ 1505) 132 - (1892) [ش (مخطومة) أي فيها خطام وهو قريب من الزمام]
(3) - صحيح البخاري (3/ 25) (1897) وصحيح مسلم (2/ 711) 85 - (1027)
[ش (أنفق زوجين) عمل صنفين من أعمال البر. (من أهل الصلاة) المكثرين لصلاة التطوع وكذلك من ذكر من أهل الأعمال الأخرى فالمراد الملازمون لها المكثرون منها زيادة عن الواجبات. (بأبي أنت وأمي) أنت مفدى بهما. (من ضرورة) من مضرة أي قد سعد من دعي من الأبواب جميعا ودعوته منها جميعا أن يخير في الدخول من أيها شاء وهذا مزيد تكريم وفضل]