فهرس الكتاب

الصفحة 219 من 522

والرهبان، ليحذر منهم هاتان الحالتان: أخذهم لأموال الناس بغير حق، وصدهم الناس عن سبيل الله.

{وَالَّذِينَ يَكْنزونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ} أي: يمسكونها {وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} أي: طرق الخير الموصلة إلى الله، وهذا هو الكنز المحرم، أن يمسكها عن النفقة الواجبة، كأن يمنع منها الزكاة أو النفقات الواجبة للزوجات، أو الأقارب، أو النفقة في سبيل الله إذا وجبت. {فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} ثم فسره بقوله: {يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا} أي: على أموالهم، {فِي نَارِ جَهَنَّمَ} فيحمى كل دينار أو درهم على حدته. {فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ} في يوم القيامة كلما بردت أعيدت في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، ويقال لهم توبيخا ولوما: {هَذَا مَا كَنزتُمْ لأنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنزونَ} فما ظلمكم ولكنكم ظلمتم أنفسكم وعذبتموها بهذا الكنز. وذكر الله في هاتين الآيتين، انحراف الإنسان في ماله، وذلك بأحد أمرين:

إما أن ينفقه في الباطل الذي لا يجدي عليه نفعا، بل لا يناله منه إلا الضرر المحض، وذلك كإخراج الأموال في المعاصي والشهوات التي لا تعين على طاعة الله، وإخراجها للصد عن سبيل الله. وإما أن يمسك ماله عن إخراجه في الواجبات، و"النهي عن الشيء، أمر بضده" [1]

وقال الطبري:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ صَدَّقُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَأَقَرُّوا بِوَحْدَانِيَّةِ رَبِّهِمْ، إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْعُلَمَاءِ وَالْقُرَّاءِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى {لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ} [التوبة:34] يَقُولُ: يَأْخُذُونَ الرُّشَى فِي أَحْكَامِهِمْ، وَيُحَرِّفُونَ كِتَابَ اللَّهِ، وَيَكْتُبُونَ بِأَيْدِيهِمْ كُتُبًا ثُمَّ يَقُولُونَ: هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَيَأْخُذُونَ بِهَا ثَمَنًا قَلِيلًا مِنْ سَفَلَتِهِمْ. {وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [الأنفال:47] يَقُولُ: وَيَمْنَعُونَ مَنْ أَرَادَ الدُّخُولَ فِي الْإِسْلَامِ الدُّخُولَ فِيهِ بَيْنَهُمْ إِيَّاهُمْ عَنْهُ."

ويَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ} [التوبة:34] وَيَأْكُلُهَا أَيْضًا مَعَهُمْ {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [التوبة:34] يَقُولُ: بَشِّرِ الْكَثِيرَ مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ

(1) - تفسير السعدي = تيسير الكريم الرحمن (ص: 335)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت