عَمَلَكَ اللَّيْلَةَ كَافِيَةٌ لَكَ عِنْدَ اللَّهِ مَثُوبَةً وَفَضِيلَةً، وَأَرَادَ النَّوَافِلَ وَالتَّبَرُّعَاتِ مِنَ الْأَعْمَالِ لَا الْفَرَائِضَ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَسْقُطُ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَنْزِلَ عَلَى مَا عَلَيْهِ مِنْ عَمَلِ الْجِهَادِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ جُبْرَانًا لِقَلْبِهِ وَتَسْلِيَةً لَهُ. [1] .
ثالثًا: حراسة ليلة في موضع يخاف فيه على نفسه أفضل من ليلة القدر:
روى البيهقي عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ:"أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِلَيْلَةٍ أَفْضَلَ مِنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ؟ حَارِسٌ حَرَسَ فِي أَرْضِ خَوْفٍ لَعَلَّهُ أَنْ لَا يَرْجِعَ إِلَى أَهْلِهِ". [2] .
رابعًا: حراسة ليلة أفضل من ألف ليلة يقام ليلها ويصام نهارها:
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ، أَصَابَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ امْرَأَةَ رَجُلٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَافِلًا أَتَى زَوْجُهَا وَكَانَ غَائِبًا، فَلَمَّا أُخْبِرَ حَلَفَ لَا يَنْتَهِي حَتَّى يُهْرِيقَ فِي أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - دَمًا، فَخَرَجَ يَتْبَعُ أَثَرَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -،فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مَنْزِلًا، فَقَالَ: «مَنْ رَجُلٌ يَكْلَؤُنَا لَيْلَتَنَا هَذِهِ؟» فَانْتُدِبَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَرَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، قَالَا: نَحْنُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ - صلى الله عليه وسلم: «فَكُونَا بِ فَمِ الشِّعْبِ» ،قَالَ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَأَصْحَابُهُ نَزَلُوا إِلَى شِعْبٍ مِنَ الْوَادِي، فَلَمَّا خَرَجَ الرَّجُلَانِ إِلَى فَمِ الشِّعْبِ، قَالَ الْأَنْصَارِيُّ لِلْمُهَاجِرِيِّ: أَيُّ اللَّيْلِ أَحَبُّ إِلَيْكَ أَنْ أَكْفِيَكَ، أَوَّلَهُ أَوْ آخِرَهُ؟،قَالَ: اكْفِنِي أَوَّلَهُ، قَالَ: فَاضْطَجَعَ الْمُهَاجِرِيُّ فَنَامَ، وَقَامَ الْأَنْصَارِيُّ يُصَلِّي، وَأَتَى زَوْجُ الْمَرْأَةِ، فَلَمَّا رَأَى شَخَصَ الرَّجُلِ، عَرَفَ أَنَّهُ رَبِيئَةَ الْقَوْمِ، فَرَمَاهُ بِسَهْمٍ، فَوَضَعَهُ فِيهِ، فَنَزَعَهُ، فَوَضَعَهُ، وَثَبَتَ قَائِمًا يُصَلِّي، ثُمَّ رَمَاهُ بِسَهْمٍ آخَرَ، فَوَضَعَهُ فِيهِ، فَنَزَعَهُ، وَثَبَتَ قَائِمًا يُصَلِّي، ثُمَّ عَادَ لَهُ الثَّالِثَةَ، فَوَضَعَهُ فِيهِ، فَنَزَعَهُ، فَوَضَعَهُ، ثُمَّ رَكَعَ فَسَجَدَ، ثُمَّ أَهَبَّ صَاحِبَهُ وَقَالَ: اجْلِسْ، فَقَدْ أُتِيتُ، فَوَثَبَ، فَلَمَّا رَآهُمَا الرَّجُلُ عَرَفَ أَنَّهُ قَدْ نَذِرَ بِهِ، هَرَبَ، فَلَمَّا رَأَى الْمُهَاجِرِيُّ مَا بِالْأَنْصَارِيِّ مِنَ الدِّمَاءِ، قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، أَفَلَا أَهْبَبْتَنِي أَوَّلَ مَا رَمَاكَ؟،قَالَ: كُنْتُ فِي سُورَةٍ أَقْرَؤُهَا، فَلَمْ أُحِبَّ أَنْ أَقْطَعَهَا حَتَّى أُنْفِذَهَا، فَلَمَّا تَابَعَ عَلَيَّ الرَّمْيَ رَكَعْتُ فَآذَنْتُكَ، وَايْمُ اللَّهِ لَوْلَا أَنْ أُضَيِّعَ ثَغْرًا أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بِحِفْظِهِ، لَقَطَعَ نَفْسِي قَبْلَ أَنْ أَقْطَعَهَا أَوْ أُنْفِذَهَا [3] .
(1) - مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (9/ 3826)
(2) - السنن الكبرى للبيهقي (9/ 251) (18444) صحيح
(3) - صحيح ابن حبان - مخرجا (3/ 375) (1096) حسن
"أهبَّ"بتشديد الباء، أي: أيقظ."نذروا به"بفتح نون وكسر ذال معجمة، أي: شعروا به وعلموا بمكانه.