(فَوَاقَ نَاقَةٍ) بِالْفَتْحِ وَالضَّمِّ مَا بَيْنَ الْحَلْبَتَيْنِ يَعْنِي قَدْرَ مُدَّتَيِ الضَّرْعِ مِنَ الْوَقْتِ لِأَنَّهَا تُحْلَبُ ثُمَّ تُتْرَكُ سُوَيْعَةً يَرْضِعُهَا الْفَصِيلُ لِتَدُرَّ ثُمَّ تُحْلَبُ ثَانِيَةً (صَادِقًا) أَيْ بِصِدْقِ قَلْبِهِ (وَمَنْ جُرِحَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (جُرْحًا) بِضَمِّ الْجِيمِ وَبِالْفَتْحِ هُوَ الْمَصْدَرُ أَيْ جِرَاحَةً كَائِنَةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ (أَوْ نُكِبَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ أُصِيبَ (نَكْبَةً) بِالْفَتْحِ قِيلَ الْجُرْحُ وَالنَّكْبَةُ كِلَاهُمَا وَاحِدٌ وَقِيلَ الْجُرْحُ مَا يَكُونُ مِنْ فِعْلِ الْكُفَّارِ وَالنَّكْبَةُ الْجِرَاحَةُ الَّتِي أَصَابَتْهُ مِنْ وُقُوعِهِ مِنْ دَابَّتِهِ أَوْ وُقُوعِ سِلَاحٍ عَلَيْهِ، قال القارىء هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ وَفِي النِّهَايَةِ نُكِبَتْ إِصْبَعُهُ أَيْ نَالَتْهَا الْحِجَارَةُ وَالنَّكْبَةُ مَا يُصِيبُ الْإِنْسَانُ مِنَ الْحَوَادِثِ (فَإِنَّهَا) أَيِ النَّكْبَةُ قَالَ الطِّيبِيُّ قَدْ سَبَقَ شَيْئَانِ الْجُرْحُ وَالنَّكْبَةُ وَهِيَ مَا أَصَابَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مِنَ الْحِجَارَةِ فَأَعَادَ الضَّمِيرَ إِلَى النَّكْبَةِ دَلَالَةً عَلَى أَنَّ حُكْمَ النَّكْبَةِ إِذَا كَانَ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ فَمَا ظَنُّكَ بِالْجُرْحِ بِالسِّنَانِ وَالسَّيْفِ (كَأَغْزَرَ مَا كَانَتْ) أَيْ كَأَكْثَرَ أَوْقَاتِ أَكْوَانِهَا فِي الدُّنْيَا (خُرَّاجٌ) بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ مَا يَخْرُجُ فِي الْبَدَنِ مِنَ الْقُرُوحِ وَالدَّمَامِيلِ (فَإِنَّ عَلَيْهِ طَابَعُ الشُّهَدَاءِ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَيُكْسَرُ أَيِ الْخَاتَمُ يُخْتَمُ بِهِ عَلَى الشَّيْءِ يَعْنِي عَلَيْهِ عَلَامَةُ الشُّهَدَاءِ وأماراتهم [1]
وعَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: كَانَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِذَا ذَكَرَ يَوْمَ أُحُدٍ بَكَى، ثُمَّ قَالَ: ذَاكَ كُلُّهُ يَوْمُ طَلْحَةَ، ثُمَّ أَنْشَأَ يُحَدِّثُ، قَالَ: كُنْتُ أَوَّلَ مَنْ فَاءَ يَوْمَ أُحُدٍ فَرَأَيْتُ رَجُلًا يُقَاتِلُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - دُونَهُ، وَأُرَاهُ قَالَ: يَحْمِيهِ، قَالَ: فَقُلْتُ: كُنْ طَلْحَةَ حَيْثُ فَاتَنِي مَا فَاتَنِي، فَقُلْتُ: يَكُونُ رَجُلًا مِنْ قَوْمِي أَحَبَّ إِلَيَّ وَبَيْنِي وَبَيْنَ الْمَشْرِقِ رَجُلٌ لَا أَعْرِفُهُ، وَأَنَا أَقْرَبُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مِنْهُ، وَهُوَ يَخْطَفُ الْمَشْيَ خَطْفًا لَا أَخْطَفُهُ، فَإِذَا هُوَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ، فَانْتَهَيْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَقَدْ كُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ، وَشُجَّ فِي وَجْهِهِ وَقَدْ دَخَلَ فِي وَجْنَتَيْهِ حَلْقَتَانِ مِنْ حِلَقِ الْمِغْفَرِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: «عَلَيْكُمَا صَاحِبَكُمَا» ،يُرِيدُ طَلْحَةَ، وَقَدْ نَزَفَ، فَلَمْ يُلْتَفَتْ إِلَى قَوْلِهِ، وَذَهَبْتُ لِأَنْزِعَ ذَاكَ مِنْ وَجْهِهِ، فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ بِحَقِّي لَمَا تَرَكْتَنِي، فَتَرَكْتُهُ فَكَرِهَ أَنْ يَتَنَاوَلَهُمَا بِيَدِهِ، فَيُؤْذِيَ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم -،فَأَزَّمَ عَلَيْهِمَا بِفِيهِ فَاسْتَخْرَجَ إِحْدَى الْحَلْقَتَيْنِ، وَوَقَعَتْ ثَنِيَّتُهُ مَعَ الْحَلْقَةِ، وَذَهَبْتُ لِأَصْنَعَ مَا صَنَعَ فَقَالَ: أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ بِحَقِّي لَمَا تَرَكْتَنِي قَالَ: فَفَعَلَ مِثْلَ مَا فَعَلَ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى فَوَقَعَتْ ثَنِيَّتُهُ الْأُخْرَى مَعَ الْحَلْقَةِ فَكَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ هَتْمًا فَأَصْلَحْنَا
(1) - عون المعبود وحاشية ابن القيم (7/ 154)