وعَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ، وَسَأَلَهُ رَجُلٌ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة:195] هُوَ الرَّجُلُ يَحْمِلُ عَلَى الْكَتِيبَةِ وَهُمْ أَلْفٌ، وَالسَّيْفُ بِيَدِهِ؟،قَالَ:"لَا، وَلَكِنَّهُ رَجُلٌ يُصِيبُ الذَّنْبَ فَيُلْقِي بِيَدَيْهِ، وَيَقُولُ: لَا تَوْبَةَ لِي"أخرجه اليبيهقي في الشعب [1] .
وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة:195] قَالَ «لَيْسَ التَّهْلُكَةُ أَنْ يَقْتُلَ الرَّجُلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلَكِنِ الْإِمْسَاكُ عَنِ النَّفَقَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» [2]
وعَنِ الْبَرَاءِ، قَالَ: سَأَلَهُ رَجُلٌ أَحْمِلُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ وَحْدِي فَيَقْتُلُونِي أَكُنْتُ أَلْقَيْتُ بِيَدِي إِلَى التَّهْلُكَةِ؟ فَقَالَ"لَا، إِنَّمَا التَّهْلُكَةُ فِي النَّفَقَةِ بَعَثَ اللَّهُ رَسُولَهُ، فَقَالَ: {فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ} [النساء:84] " [3]
وقال البيهقي في سننه: بَابُ مَنْ تَبَرَّعَ بِالتَّعَرُّضِ لِلْقَتْلِ رَجَاءَ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ:"قَدْ بُورِزَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وَحَمَلَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ حَاسِرًا عَلَى جَمَاعَةٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ بَعْدَ إِعْلَامِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - إِيَّاهُ بِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْخَيْرِ فَقُتِلَ"قَالَ الشَّيْخُ: هُوَ عَوْفُ ابْنُ عَفْرَاءَ فِيمَا ذَكَرَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، وَذَلِكَ مَعَ ذِكْرِ مَنْ بَارَزَ بَيْنَ يَدَيْهِ، يَرِدُ فِي مَوْضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللهُ" [4] .."
وقال الجصاص بعد روايته لحديث أبي أيوب رضي الله عنه: وَرُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَحُذَيْفَةَ وَالْحَسَنِ وَقَتَادَةَ وَمُجَاهِدٍ وَالضَّحَّاكِ. وَرُوِيَ عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ وَعُبَيْدَةَ السَّلْمَانِيِّ: الْإِلْقَاءُ بِالْأَيْدِي إلَى التَّهْلُكَةِ هُوَ الْيَأْسُ مِنْ الْمَغْفِرَةِ بِارْتِكَابِ الْمَعَاصِي. وَقِيلَ: هُوَ الْإِسْرَافُ فِي الْإِنْفَاقِ حَتَّى لَا يَجِدَ مَا يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ فَيَتْلَفُ. وَقِيلَ: هُوَ أَنْ يَقْتَحِمَ الْحَرْبَ مِنْ غَيْرِ نِكَايَةٍ فِي الْعَدُوِّ وَهُوَ الَّذِي تَأَوَّلَهُ الْقَوْمُ الَّذِي أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ أَبُو أَيُّوبَ وَأَخْبَرَ فِيهِ بِالسَّبَبِ. وَلَيْسَ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ هَذِهِ الْمَعَانِي مُرَادَةً بِالْآيَةِ لِاحْتِمَالِ اللَّفْظِ لَهَا وَجَوَازُ اجْتِمَاعِهَا مِنْ غَيْرِ تَضَادٍّ وَلَا تَنَافٍ فَأَمَّا حَمْلُهُ عَلَى الرَّجُلِ الْوَاحِدِ يَحْمِلُ عَلَى حَلْبَةِ الْعَدُوِّ، فَإِنَّ مُحَمَّدَ بْنَ الْحَسَنِ ذَكَرَ فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ أَنَّ رَجُلًا لَوْ حَمَلَ عَلَى
(1) - شعب الإيمان (9/ 306) (6692) صحيح
(2) - تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (3/ 314) صحيح
(3) - تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (3/ 319) صحيح
(4) - السنن الكبرى للبيهقي (9/ 75)