فإذا عرف الإنسان أن الله تعالى لا يضيع عمله وجهاده، أوجب له ذلك النشاط، وبذل الجهد فيما يترتب عليه الأجر والثواب، فكيف إذا اجتمعت هذه الأمور الثلاثة فإن ذلك يوجب النشاط التام، فهذا من ترغيب الله لعباده، وتنشيطهم، وتقوية أنفسهم على ما فيه صلاحهم وفلاحهم. [1]
وهذه المعية الخاصة منوطة بالعبودية الخاصة من شوائب المخالفات! فمن كان عبدًا لله حقًا فلا غالب له، لان الله معه، وهو ناصره ومؤيده. قال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ} [محمد:11] .
ومتى أخل المجاهد بشي من صفات العبودية، أو تجرد عن شي من مظاهر الإيمان، وصار مشابها ً للأعداء بوجه من وجوه الشبه، وهذا يؤدي إلى شيء من الظلام والران على قلبه، ويؤدي إلى إصابته بشيء من الرعب والجبن والذلة والخذلان، وبقدر عظم المخالفة وصغرها يكون تأثير هذه الصفقة الذميمة فيه، وبذلك لا ينال النصر والظفر.
فعَنِ السُّدِّيِّ: {لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ} [التوبة:25] الْآيَةَ: إِنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَوْمَ حُنَيْنٍ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَنْ نُغْلَبَ الْيَوْمَ مِنْ قِلَّةٍ، وَأَعْجَبَتْهُ كَثْرَةُ النَّاسِ، وَكَانُوا اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا. فَسَارَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -،فَوُكِّلُوا إِلَى كَلِمَةِ الرَّجُلِ، فَانْهَزَمُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -،غَيْرَ الْعَبَّاسِ وَأَبِي سُفْيَانَ بْنِ الْحَارِثِ وَأَيْمَنَ ابْنِ أُمِّ أَيْمَنَ، قُتِلَ يَوْمَئِذٍ بَيْنَ يَدَيْهِ. فَنَادَى رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: «أَيْنَ الْأَنْصَارُ؟ أَيْنَ الَّذِينَ بَايَعُوا تَحْتَ الشَّجَرَةِ؟» فَتَرَاجَعَ النَّاسُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ الْمَلَائِكَةَ بِالنَّصْرِ، فَهَزَمُوا الْمُشْرِكِينَ يَوْمَئِذٍ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ: {ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا} [التوبة:26] الْآيَةَ [2] .
وقال تعالى عما حصل يوم أحد: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ} [آل عمران:155]
وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كُنْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَوْمًا، فَقَالَ: «يَا غُلَامُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ، احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ
(1) - تفسير السعدي = تيسير الكريم الرحمن (ص: 790)
(2) - تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (11/ 389) صحيح مرسل