وَبِهَذَا قَالَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَالْأَوْزَاعِيُّ ودَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ وَجَمَاعَةُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ وَأَهْلُ الْحَدِيثِ وَابْنُ عُلَيَّةَ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَالْحَسَنُ: يُغَسَّلُونَ. قَالَ أَحَدُهُمَا: إِنَّمَا لَمْ تُغَسَّلْ شُهَدَاءُ أُحُدٍ لِكَثْرَتِهِمْ وَالشُّغْلِ عَنْ ذَلِكَ. قَالَ أَبُو عُمَرَ: وَلَمْ يَقُلْ بِقَوْلِ سَعِيدٍ وَالْحَسَنِ هَذَا أَحَدٌ مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ إِلَّا عُبَيْدُ اللَّهِ بن الحسن العنبري، وليس عَلَيْهِمْ، لِحَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ يَقُولُ: «أَيُّهُمْ أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ» ،فَإِذَا أُشِيرَ لَهُ إِلَى أَحَدِهِمَا قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ، وَقَالَ: «أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلاَءِ يَوْمَ القِيَامَةِ» ،وَأَمَرَ بِدَفْنِهِمْ فِي دِمَائِهِمْ، وَلَمْ يُغَسَّلُوا، وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِمْ" [1] ."
وَقَالَ فُقَهَاءُ الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ وَالشَّامِ: يُصَلَّى عَلَيْهِمْ. وَرَوَوْا آثَارًا كَبِيرَةً أَكْثَرُهَا مَرَاسِيلُ أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - صَلَّى عَلَى حَمْزَةَ وَعَلَى سَائِرِ شُهَدَاءِ أُحُدٍ.
وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الشَّهِيدَ إِذَا حُمِلَ حَيًّا وَلَمْ يَمُتْ فِي الْمُعْتَرَكِ وَعَاشَ وَأَكَلَ فَإِنَّهُ يُصَلَّى عَلَيْهِ، كَمَا قَدْ صُنِعَ بِعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا كَقَتِيلِ الْخَوَارِجِ وَقُطَّاعِ الطَّرِيقِ وَشِبْهِ ذَلِكَ، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ: كُلُّ مَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا لَمْ يُغَسَّلْ، وَلَكِنَّهُ يُصَلَّى عَلَيْهِ وَعَلَى كُلِّ شَهِيدٍ، وَهُوَ قَوْلٌ سَائِرٌ أَهْلُ الْعِرَاقِ. وَرَوَوْا من طرق كثير صِحَاحٍ عَنِ الْعَيْزَارِ بْنِ حُرَيْثٍ الْعَبْدِيِّ، قَالَ: قَالَ زَيْدُ بْنُ صُوحَانَ يَوْمَ الْجَمَلِ ارْمُسُونِي فِي الأَرْضِ رَمْسًا، وَلاَ تَغْسِلُوا عَنِّي دَمًا، وَلاَ تَنْزِعُوا عَنِّي ثَوْبًا إِلاَّ الْخُفَّيْنِ فَإِنِّي مُحَاجٌّ أُحَاجُّ .. [2]
وعَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَيْدٍ الْقَارِئَ - وَكَانَ يُسَمَّى عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - الْقَارِئَ - قُتِلَ يَوْمَ الْقَادِسِيَّةِ وَكَانَ قَالَ لَهُمْ: «لَا تُغَسِّلُوا عَنِّي دَمًا، وَلَا تَنْزِعُوا عَنِّي ثَوْبًا إِلَّا جِلْدًا» [3]
وعَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، قَالَ: كَانَ مُحَمَّدٌ إِذَا سُئِلَ عَنِ الشَّهِيدِ يُغَسَّلُ حَدَّثَ عَنْ حُجْرِ بْنِ عَدِيٍّ إذْ قَتَلَهُ مُعَاوِيَةُ، قَالَ: قَالَ حُجْرٌ: لاَ تَطْلِقُوا عَنِّي حَدِيدًا وَلاَ تَغْسِلُوا عَنِّي دَمًا، ادْفِنُونِي فِي وِثَاقِي وَدَمِي، فَإنِّي أَلْقَى مُعَاوِيَةَ عَلَى الْجَادَّةِ غَدًا. [4]
(1) - صحيح البخاري (2/ 91) (1343)
[ش (اللحد) هو الشق في جانب القبر. (شهيد على هؤلاء) أشهد لهم أنهم بذلوا أرواحهم في سبيل الله تعالى وأشفع لهم وأصونهم من مكاره ذلك اليوم]
(2) - مصنف ابن أبي شيبة -دار القبلة (7/ 150) (11107) صحيح
(3) - سنن سعيد بن منصور (2/ 262) (2575) صحيح
(4) - مصنف ابن أبي شيبة -دار القبلة (17/ 456) (33476) صحيح، ولكن هناك اجتهاد في سبب قتله