وَلاَ فَرْقَ فِي جَوَازِ الرَّمْيِ بَيْنَ مَا إِذَا كَانَتِ الْحَرْبُ مُلْتَحِمَةً وَمَا إِذَا كَانَتْ غَيْرَ مُلْتَحِمَةٍ، لأَِنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - لَمْ يَكُنْ يَتَحَيَّنُ بِالرَّمْيِ حَال الْتِحَامِ الْحَرْبِ. [1]
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ: إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ رَمْيُهُمْ، إِلاَّ إِذَا دَعَتِ الضَّرُورَةُ وَيُتْرَكُونَ عِنْدَ عَدَمِ الضَّرُورَةِ، وَيَكُونُ تَرْكُ الْقِتَال عِنْدَ عَدَمِ الضَّرُورَةِ وَاجِبًا فِي الأَْظْهَرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، لَكِنَّ الْمُعْتَمَدَ مَا جَاءَ فِي الرَّوْضَةِ وَهُوَ: جَوَازُهُ مَعَ الْكَرَاهَةِ. [2]
وقَال ابْنُ قُدَامَةَ: إِذَا قَدَرَ عَلَى الْعَدُوِّ فَلاَ يَجُوزُ تَحْرِيقُهُ بِالنَّارِ بِغَيْرِ خِلاَفٍ؛ لِحَدِيثِ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - أَنَّهُ قَالَ بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِى بَعْثٍ فَقَالَ «إِنْ وَجَدْتُمْ فُلاَنًا وَفُلاَنًا فَأَحْرِقُوهُمَا بِالنَّارِ» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - حِينَ أَرَدْنَا الْخُرُوجَ «إِنِّى أَمَرْتُكُمْ أَنْ تُحْرِقُوا فُلاَنًا وَفُلاَنًا، وَإِنَّ النَّارَ لاَ يُعَذِّبُ بِهَا إِلاَّ اللَّهُ، فَإِنْ وَجَدْتُمُوهُمَا فَاقْتُلُوهُمَا» [3] .
فَأَمَّا رَمْيُهُمْ قَبْل أَخْذِهِمْ بِالنَّارِ، فَإِنْ أَمْكَنَ أَخْذُهُمْ بِدُونِهَا لَمْ يَجُزْ رَمْيُهُمْ بِهَا؛ لأَِنَّهُمْ فِي مَعْنَى الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ، وَأَمَّا عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْهُمْ بِغَيْرِهَا فَجَائِزٌ فِي قَوْل أَكْثَرِ أَهْل الْعِلْمِ، وَبِهِ قَال الثَّوْرِيُّ، وَالأَْوْزَاعِيُّ، وَالْحَنَابِلَةُ، وَكَذَلِكَ لاَ يَجُوزُ عِنْدَهُمْ تَغْرِيقُ الْعَدُوِّ بِالْمَاءِ، إِذَا قَدَرَ عَلَيْهِمْ بِغَيْرِهِ [4]
التَّتَرُّسُ بِأُسَارَى الْمُسْلِمِينَ [5] :
لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّهُ يَجُوزُ رَمْيُ الْكُفَّارِ إِذَا تَتَرَّسُوا بِالْمُسْلِمِينَ وَأُسَارَاهُمْ أَثْنَاءَ الْقِتَال، أَوْ حِصَارُهُمْ مِنْ قِبَل الْمُسْلِمِينَ إِذَا دَعَتِ الضَّرُورَةُ إِلَى ذَلِكَ بِأَنْ كَانَ فِي الْكَفِّ عَنْ قِتَالِهِمُ انْهِزَامٌ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْخَوْفُ عَلَى اسْتِئْصَال قَاعِدَةِ الإِْسْلاَمِ، وَيُقْصَدُ بِالرَّمْيِ الْكُفَّارُ.
وَلَكِنْ إِذَا لَمْ تَدْعُ ضَرُورَةٌ إِلَى رَمْيِهِمْ، لِكَوْنِ الْحَرْبِ غَيْرَ قَائِمَةٍ، أَوْ لإِِمْكَانِ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ بِدُونِهِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَقْوَالٍ [6] سَبَقَ ذِكْرُهَا فِي مُصْطَلَحِ"تَتَرُّسٌ [7] "
(1) - فتح القدير 5/ 198،والمبسوط 10/ 65،وبدائع الصنائع 7/ 98،99،والمغني 8/ 449 ط مكتبة الرياض الحديثة
(2) - الحطاب 3/ 351،وحاشية الدسوقي 2/ 178،ونهاية المحتاج 8/ 65.
(3) - صحيح البخارى - (3016)
(4) - المغني 8/ 448،449.و الموسوعة الفقهية الكويتية - (16/ 152)
(5) - والموسوعة الفقهية الكويتية - (16/ 161)
(6) - فتح القدير 5/ 198،وابن عابدين 3/ 223،والحطاب 3/ 351،وحاشية الدسوقي 2/ 178،وجواهر الإكليل 1/ 253،ونهاية المحتاج 8/ 65،والمغني 8/ 449،450.
(7) - الموسوعة الفقهية 10/ 137،138،ومصطلح: (تترس) .