-صلى الله عليه وسلم: «قُومُوا إِلَى خَيْرِكُمْ، أَوْ سَيِّدِكُمْ» . فَقَالَ: «يَا سَعْدُ إِنَّ هَؤُلاَءِ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِكَ» . قَالَ: فَإِنِّي أَحْكُمُ فِيهِمْ أَنْ تُقْتَلَ مُقَاتِلَتُهُمْ وَتُسْبَى ذَرَارِيُّهُمْ، قَالَ:"حَكَمْتَ بِحُكْمِ اللَّهِ، أَوْ: بِحُكْمِ المَلِكِ". [1]
قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْحَاكِمُ حُرًّا مُسْلِمًا عَاقِلًا بَالِغًا ذَكَرًا عَدْلًا فَقِيهًا كَمَا يُشْتَرَطُ فِي حَاكِمِ الْمُسْلِمِينَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَعْمَى؛ لأَِنَّ عَدَمَ الْبَصَرِ لاَ يَضُرُّ هُنَا؛ لأَِنَّ الْمَقْصُودَ رَأْيُهُ وَمَعْرِفَةُ الْمَصْلَحَةِ، وَلاَ يَضُرُّ عَدَمُ الْبَصَرِ فِيهِ، بِخِلاَفِ الْقَضَاءِ، فَإِنَّهُ لاَ يَسْتَغْنِي عَنِ الْبَصَرِ لِيَعْرِفَ الْمُدَّعِيَ مِنَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَالشَّاهِدَ مِنَ الْمَشْهُودِ لَهُ وَالْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، وَالْمُقَرَّ لَهُ مِنَ الْمُقِرِّ، وَيُعْتَبَرُ مِنَ الْفِقْهِ هَاهُنَا مَا يَتَعَلَّقُ بِهَذَا الْحُكْمِ مِمَّا يَجُوزُ فِيهِ وَيُعْتَبَرُ لَهُ وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَلاَ يُعْتَبَرُ فِقْهُهُ فِي جَمِيعِ الأَْحْكَامِ الَّتِي لاَ تَعَلُّقَ لَهَا بِهَذَا. وَلِهَذَا حَكَمَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ وَلَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ كَانَ عَالِمًا بِجَمِيعِ الأَْحْكَامِ. وَإِذَا حَكَّمُوا رَجُلَيْنِ جَازَ، وَيَكُونُ الْحُكْمُ مَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ، وَإِنْ جَعَلُوا الْحُكْمَ إِلَى رَجُلٍ يُعَيِّنُهُ الإِْمَامُ جَازَ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَخْتَارُ إِلاَّ مَنْ يَصْلُحُ، وَإِنْ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ رَجُلٍ مِنْهُمْ أَوْ جَعَلُوا التَّعْيِينَ إِلَيْهِمْ لَمْ يَجُزْ؛ لأَِنَّهُمْ رُبَّمَا اخْتَارُوا مَنْ لاَ يَصْلُحُ، وَإِنْ عَيَّنُوا رَجُلًا يَصْلُحُ فَرَضِيَهُ الإِْمَامُ جَازَ؛ لأَِنَّ بَنِي قُرَيْظَةَ رَضُوا بِحُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ وَعَيَّنُوهُ فَرَضِيَهُ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - وَأَجَازَ حُكْمَهُ وَقَال: «لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ اللهِ» . [2]
وَإِنْ مَاتَ مَنِ اتَّفَقُوا عَلَيْهِ فَاتَّفَقُوا عَلَى غَيْرِهِ مِمَّنْ يَصْلُحُ قَامَ مَقَامَهُ، وَإِنْ لَمْ يَتَّفِقُوا عَلَى مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ، أَوْ طَلَبُوا حُكْمًا لاَ يَصْلُحُ، رُدُّوا إِلَى مَأْمَنِهِمْ، وَكَانُوا عَلَى الْحِصَارِ حَتَّى يَتَّفِقُوا، وَكَذَلِكَ إِنْ رَضُوا بِاثْنَيْنِ فَمَاتَ أَحَدُهُمَا فَاتَّفَقُوا عَلَى مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ جَازَ، وَإِلاَّ رُدُّوا إِلَى مَأْمَنِهِمْ، وَكَذَلِكَ إِنْ رَضُوا بِتَحْكِيمِ مَنْ لَمْ تَجْتَمِعِ الشَّرَائِطُ فِيهِ وَوَافَقَهُمُ الإِْمَامُ عَلَيْهِ. ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ لاَ يَصْلُحُ لَمْ يَحْكُمْ، وَيُرَدُّونَ إِلَى مَأْمَنِهِمْ كَمَا كَانُوا.
وَأَمَّا صِفَةُ الْحُكْمِ: فَإِنْ حَكَمَ أَنْ تُقْتَل مُقَاتِلَتُهُمْ، وَتُسْبَى ذَرَارِيُّهُمْ نَفَذَ حُكْمُهُ؛ لأَِنَّ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ حَكَمَ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ بِذَلِكَ، فعَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ اللَّيْثِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - لِسَعْدٍ: «لَقَدْ حَكَمْتَ بِحُكْمِ اللَّهِ مِنْ فَوْقِ سَبْعَةِ أَرْقُعَةٍ» [3]
(1) - صحيح البخاري (5/ 36) (3804) وصحيح مسلم (3/ 1388) 64 - (1768)
(2) - صحيح مسلم (3/ 1389) (1768)
(3) - الأموال لابن زنجويه (1/ 343) (538) صحيح