يَكُونُ الْعَدُوُّ فِيهِ ضِعْفَ الْمُسْلِمِينَ فَمَا دُونَ، فَعُلِمَ أَنَّهُ أَمْرٌ وَفَرْضٌ، وَلَمْ يَأْتِ شَيْءٌ يَنْسَخُ هَذِهِ الآْيَةَ لاَ فِي كِتَابٍ وَلاَ سُنَّةٍ، فَوَجَبَ الْحُكْمُ بِهَا. عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا،"لَمَّا نَزَلَتْ: {إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ} ،وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ فَكُتِبَ عَلَيْهِمْ أَنْ لاَ يَفِرَّ وَاحِدٌ مِنْ عَشَرَةٍ"- فَقَالَ سُفْيَانُ غَيْرَ مَرَّةٍ: أَنْ لاَ يَفِرَّ عِشْرُونَ مِنْ مِائَتَيْنِ -"ثُمَّ نَزَلَتْ: {الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ} [الأنفال:66] الآيَةَ، فَكَتَبَ أَنْ لاَ يَفِرَّ مِائَةٌ مِنْ مِائَتَيْنِ"وَزَادَ سُفْيَانُ مَرَّةً: نَزَلَتْ: {حَرِّضِ المُؤْمِنِينَ عَلَى القِتَالِ، إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ} [الأنفال:65] ،قَالَ سُفْيَانُ: وَقَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ: «وَأُرَى الأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ المُنْكَرِ مِثْلَ هَذَا» . [1]
قَال الْمَالِكِيَّةُ: وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَابِدِينَ نَقْلًا عَنَ الْخَانِيَّةِ: إِنْ بَلَغَ الْمُسْلِمُونَ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا حَرُمَ الْفِرَارُ وَلَوْ كَثُرَ الْكُفَّارُ جِدًّا مَا لَمْ تَخْتَلِفْ كَلِمَتُهُمْ، فَإِنَّهُ إِذَا اخْتَلَفَتْ كَلِمَتُهُمْ جَازَ الْفِرَارُ مُطْلَقًا وَلَوْ بَلَغُوا اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا. [2]
وَاسْتَدَلُّوابما جاء عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -،قَالَ: «خَيْرُ الصَّحَابَةِ أَرْبَعَةٌ، وَخَيْرُ السَّرَايَا أَرْبَعُ مِائَةٍ، وَخَيْرُ الْجُيُوشِ أَرْبَعَةُ آلَافٍ، وَلَنْ يُغْلَبَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا مِنْ قِلَّةٍ» [3]
الشَّرْطُ الثَّانِي لِوُجُوبِ الثَّبَاتِ أَنْ لاَ يَقْصِدَ بِفِرَارِهِ التَّحَيُّزَ إِلَى فِئَةٍ وَلاَ التَّحَرُّفَ لِقِتَالٍ، فَإِنْ قَصَدَ أَحَدَ هَذَيْنِ فَالْفِرَارُ مُبَاحٌ لَهُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [الأنفال:16] .
وَمَعْنَى التَّحَرُّفِ لِلْقِتَال أَنْ يَنْحَازَ إِلَى مَوْضِعٍ يَكُونُ الْقِتَال فِيهِ أَمْكَنَ مِثْل أَنْ يَنْحَازَ مِنْ مُوَاجَهَةِ الشَّمْسِ أَوِ الرِّيحِ إِلَى اسْتِدْبَارِهِمَا، أَوْ مِنْ نَزْلَةٍ إِلَى عُلُوٍّ، أَوْ مِنْ مَعْطَشَةٍ إِلَى مَوْضِعِ مَاءٍ، أَوْ يَفِرَّ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ لِتُنْتَقَضَ صُفُوفُهُمْ، أَوْ تَنْفَرِدَ خَيْلُهُمْ مِنْ رَجَّالَتِهِمْ، أَوْ لِيَجِدَ فِيهِمْ فُرْصَةً، أَوْ لِيَسْتَنِدَ إِلَى جَبَلٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ أَهْل الْحَرْبِ.
(1) - صحيح البخاري (6/ 63) (4652)
[ش (فكتب) فرض. (مثل هذا) الحكم المذكور في الجهاد فإن كان من يفعل المنكر أكثر من اثنين جاز للواحد عدم الإنكار وإن كانا اثنين فأقل وجب الإنكار]
(2) - ابن عابدين 3/ 224، وحاشية الدسوقي 2/ 178.
(3) - صحيح ابن حبان - مخرجا (11/ 17) (4717) صحيح