فهرس الكتاب

الصفحة 477 من 522

عَلَى مَظِنَّتِهِ، وَهُوَ كَوْنُهُمْ أَقَل مِنْ نِصْفِ عَدَدِهِمْ، وَلِذَلِكَ لَزِمَهُمُ الثَّبَاتُ إِذَا كَانُوا أَكْثَرَ مِنَ النِّصْفِ وَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِمُ الْهَلاَكُ فِيهِ.

وَيُحْتَمَل أَنْ يَلْزَمَهُمُ الثَّبَاتُ إِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِمُ الظَّفَرُ لِمَا فِيهِ مِنَ الْمَصْلَحَةِ [1] .

فَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِمْ أَنَّهُمْ إِنْ ثَبَتُوا لِمِثْلَيْهِمْ هَلَكُوا فَفِيهِ وَجْهَانِ:

أَحَدُهُمَا: أَنَّ لَهُمْ أَنْ يُوَلُّوا لِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَل: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة:195] .

وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يُوَلُّوا وَهُوَ الصَّحِيحُ لِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الأنفال:45] وَلأَِنَّ الْمُجَاهِدَ إِنَّمَا يُقَاتِل عَلَى إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ الشَّهَادَةِ أَوِ الْفَوْزِ بِالْغَنِيمَةِ مَعَ الأَْجْرِ. قَال تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة:111] [2] .

وَقَدْ قَال مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: لاَ بَأْسَ بِالاِنْهِزَامِ إِذَا أَتَى الْمُسْلِمُ مِنَ الْعَدُوِّ مَا لاَ يُطِيقُهُ، وَلاَ بَأْسَ بِالصَّبْرِ أَيْضًا بِخِلاَفِ مَا يَقُولُهُ بَعْضُ النَّاسِ مِنْ أَنَّهُ إِلْقَاءٌ بِالنَّفْسِ إِلَى التَّهْلُكَةِ، بَل فِي هَذَا تَحْقِيقُ بَذْل النَّفْسِ فِي سَبِيل اللَّهِ.

وَقَال الْحَصْكَفِيُّ: فَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ إِذَا حَارَبَ قُتِل وَإِنْ لَمْ يُحَارِبْ أُسِرَ لَمْ يَلْزَمْهُ الْقِتَال. [3]

فَإِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِمُ الْهَلاَكُ فِي الإِْقَامَةِ وَالاِنْصِرَافِ، فَالأَْوْلَى لَهُمُ الثَّبَاتُ؛ لِيَنَالُوا دَرَجَةَ الشُّهَدَاءِ الْمُقْبِلِينَ عَلَى الْقِتَال مُحْتَسِبِينَ فَيَكُونُونَ أَفْضَل مِنَ الْمُوَلِّينَ؛ وَلأَِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَغْلِبُوا أَيْضًا فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُول: {قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة:249] .

قَال الشَّافِعِيَّةُ: إِلاَّ أَنَّهُ يَحْرُمُ الاِنْصِرَافُ لِمِائَةِ بَطَلٍ عَنْ مِائَتَيْنِ وَوَاحِدٍ ضُعَفَاءَ، وَيَجُوزُ انْصِرَافُ مِائَةٍ ضُعَفَاءَ عَنْ مِائَةٍ وَتِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ أَبْطَالًا فِي الأَْصَحِّ اعْتِبَارًا بِالْمَعْنَى، بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُسْتَنْبَطَ مِنَ النَّصِّ عَلَى حُرْمَةِ الاِنْصِرَافِ مِنَ الصَّفِّ مَعْنًى يُخَصِّصُهُ؛ لأَِنَّهُمْ يُقَاوِمُونَهُمْ لَوْ ثَبَتُوا لَهُمْ، وَإِنَّمَا

(1) - المغني 8/ 486، وكشاف القناع 3/ 47.

(2) - وانظر: المهذب 2/ 232، ونهاية المحتاج 8/ 62.

(3) - شرح السير الكبير 1/ 88، والدر المحتار بحاشية ابن عابدين 3/ 222.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت