فهرس الكتاب

الصفحة 87 من 522

جرائمهم، فكل جريمة لها قسط يقابلها، كما تدل عليه الآية بحكمتها وموافقتها لحكمة الله تعالى. وأنهم إن قتلوا وأخذوا مالا تحتم قتلُهم وصلبهم، حتى يشتهروا ويختزوا ويرتدع غيرهم.

وإن قتلوا ولم يأخذوا مالا تحتم قتلهم فقط. وإن أخذوا مالا ولم يقتلوا تحتم أن تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، اليد اليمنى والرجل اليسرى. وإن أخافوا الناس ولم يقتلوا، ولا أخذوا مالا نفوا من الأرض، فلا يتركون يأوون في بلد حتى تظهر توبتهم. وهذا قول ابن عباس رضي الله عنه وكثير من الأئمة، على اختلاف في بعض التفاصيل. {ذَلِكَ} النكال {لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا} أي: فضيحة وعار {وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} فدل هذا أن قطع الطريق من أعظم الذنوب، موجب لفضيحة الدنيا وعذاب الآخرة، وأن فاعله محارب لله ولرسوله. وإذا كان هذا شأن عظم هذه الجريمة، علم أن تطهير الأرض من المفسدين، وتأمين السبل والطرق، عن القتل، وأخذ الأموال، وإخافة الناس، من أعظم الحسنات وأجل الطاعات، وأنه إصلاح في الأرض، كما أن ضده إفساد في الأرض. {إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ} أي: من هؤلاء المحاربين، {فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} أي: فيسقط عنه ما كان لله، من تحتم القتل والصلب والقطع والنفي، ومن حق الآدمي أيضا، إن كان المحارب كافرا ثم أسلم، فإن كان المحارب مسلما فإن حق الآدمي، لا يسقط عنه من القتل وأخذ المال. ودل مفهوم الآية على أن توبة المحارب -بعد القدرة عليه- أنها لا تسقط عنه شيئا، والحكمة في ذلك ظاهرة. وإذا كانت التوبة قبل القدرة عليه، تمنع من إقامة الحد في الحرابة، فغيرها من الحدود -إذا تاب من فعلها، قبل القدرة عليه- من باب أولى. [1]

وحدود هذه الجريمة التي ورد فيها هذا النص، هي الخروج على الإمام المسلم الذي يحكم بشريعة الله، والتجمع في شكل عصابة، خارجة على سلطان هذا الإمام، تروع أهل دار الإسلام وتعتدي على أرواحهم وأموالهم وحرماتهم. ويشترط بعض الفقهاء أن يكون ذلك خارج المصر بعيدا عن مدى سلطان الإمام. ويرى بعضهم أن مجرد تجمع مثل هذه العصابة، وأخذها في الاعتداء على أهل دار الإسلام بالقوة، يجعل النص منطبقا عليها. سواء خارج المصر أو داخله. وهذا هو الأقرب للواقع العملي ومجابهته بما يستحقه. وهؤلاء الخارجون على حاكم يحكم بشريعة الله المعتدون على أهل دار الإسلام المقيمين للشريعة (سواء كانوا مسلمين أو ذميين أو مستأمنين بعهد) لا يحاربون

(1) - تفسير السعدي = تيسير الكريم الرحمن (ص: 229)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت