فهرس الكتاب

الصفحة 1068 من 1092

السرير ، وكيف تكثر الأكواب هذه الكثرة ، وتطول النمارق هذا الطول ، وبسط الزرابي هذا الانبساط ولم نشاهد ذلك في الدنيا؟ فقال الله تعالى { أَفَلا يَنظُرُونَ إِلَى الابِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ } [الغاشية: 17] طويلة ثم تبرك حتى تركب أو يحمل عليها ثم تقوم فكذا السرير يطأطىء للمؤمن كما يطأطىء الإبل { وَإِلَى السَّمَآءِ كَيْفَ رُفِعَتْ } [الغاشية: 18] رفعًا بعيد المدى بلا إمساك وعمد ، ثم نجومها تكثر هذه الكثرة فلا تدخل في حساب الخلق فكذا الأكواب { وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ } [الغاشية: 19] نصبًا ثابتًا فهي راسخة لا تميل مع طولها فكذا النمارق { وَإِلَى الارْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ } [الغاشية: 20] سطحًا بتمهيد وتوطئة فهي كلها بساط واحد تنبسط من الأفق إلى الأفق فكذا الزرابي ؛ ويجوز أن يكون المعنى أفلا ينظرون إلى هذه المخلوقات الشاهدة على قدرة الخالق حتى لا ينكروا اقتداره على البعث فيسمعوا إنذار الرسول ويؤمنوا به ويستعدوا للقائه ، وتخصيص هذه الأربعة باعتبار أن هذا خطاب للعرب وحث لهم على الاستدلال ، والمرء إنما يستدل بما تكثر مشاهدته له ، والعرب تكون في البوادي ونظرهم فيها إلى السماء والأرض والجبال والإبل فهي أعز أموالهم وهم لها أكثر استعمالًا منهم لسائر الحيوانات ، ولأنها تجمع جميع المآرب المطلوبة من الحيوان وهي النسل والدر والحمل والركوب والأكل بخلاف غيرها ، ولأن خلقها أعجب من غيرها فإنه سخرها منقادة لكل من اقتادها بأزمتها لا تعاز ضعيفًا ولا تمانع صغيرًا ، وبرأها طوال الأعناق لتنوء بالأوقار ، وجعلها بحيث تبرك حتى تحمل عن قرب ويسر ، ثم تنهض بما حملت وتجرها إلى البلاد الشاحطة ، وصبرها على احتمال العطش حتى إن ظمأها لترتفع إلى العشر فصاعدًا ، وجعلها ترعى كل نابت في البراري مما لا يرعاه سائر البهائم.

{ فَذَكِّرْ } فذكرهم بالأدلة ليتفكروا فيها { إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ } [الغاشية: 21] ليس

عليك إلا التبليغ { لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ } [الغاشية: 22] بمتسلط كقوله { وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِجَبَّارٍ } [ق: 45] (ق: 54) ، { بِمُصَيْطِرٍ } : مدني وبصري وعلي وعاصم { إِلا مَن تَوَلَّى وَكَفَرَ * فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الاكْبَرَ } الاستثناء منقطع أي لست بمسؤول عليهم ولكن من تولى منهم وكفر بالله فإن لله الولاية عليه والقهر فهو يعذبه العذاب الأكبر وهو عذاب جهنم.

وقيل: هو استثناء من قوله { لِلْيُسْرَى * فَذَكِّرْ } [الأعلى: 9] أي فذكر إلا من انقطع طمعك من إيمانه وتولى فاستحق العذاب الأكبر وما بينهما اعتراض { إِنَّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ } [الغاشية: 25] رجوعهم ، وفائدة تقديم الظرف التشديد في الوعيد وإن إيابهم ليس إلا إلى الجبار المقتدر على الانتقام { ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُم } [الغاشية: 26] فنحاسبهم على أعمالهم ونجازيهم بها جزاء أمثالهم و"على"لتأكيد الوعيد لا للوجوب إذ لا يجب على الله شيء.

مكية وهي تسع وعشرون آية

بسم الله الرحمن الرحيم

{ وَالْفَجْرِ } أقسم بالفجر وهو الصبح كقوله { وَالصُّبْحِ إِذَآ أَسْفَرَ } [المدثر: 34] (المدثر: 43) ، أو بصلاة الفجر { وَلَيالٍ عَشْرٍ } [الفجر: 2] عشر ذي الحجة أو العشر الأول من المحرم ، أو الآخر من رمضان.

وإنما نكرت لزيادة فضيلتها { وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ } [الفجر: 3] شفع كل الأشياء ووترها أو شفع هذه الليالي ووترها ، أو شفع الصلاة ووترها ، أو يوم النحر لأنه اليوم العاشر ويوم عرفة لأنه اليوم التاسع ، أو الخلق والخالق.

{ وَالْوَتْرِ } حمزة وعلي ، وبفتح الواو غيرهما ، وهما لغتان: فالفتح حجازي والكسر تميمي.

وبعد ما أقسم بالليالي المخصوصة أقسم بالليل على العموم فقال { وَالَّيْلِ } وقيل: أريد به ليلة القدر { إِذَا يَسْرِ } [الفجر: 4] إذا يمضي وياء { يَسْرِ } تحذف في الدرج اكتفاء عنها بالكسرة ، وأما في الوقف فتحذف مع الكسرة.

وسأل واحد الأخفش عن سقوط الياء فقال: لا ، حتى تخدمني سنة فسأله بعد سنة فقال: الليل لا يسري وإنما يسرى فيه ، فلما عدل عن معناه عدل عن لفظه موافقة.

وقيل: معنى يسري: يسرى فيه كما يقال: ليل نائم أي ينام فيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت