فهرس الكتاب

الصفحة 1070 من 1092

{ رِزْقَهُ } أي ضيق عليه وجعله بمقدار بلغته ، { فَقَدَرَ } شامي ويزيد { فَيَقُولُ رَبِّى أَهَـانَنِ } [الفجر: 16] أي الواجب لمن ربه بالمرصاد أن يسعى للعاقبة ولا تهمه العاجلة ، وهو قد عكس فإنه إذا امتحنه ربه بالنعمة والسعة ليشكر ، قال: ربي أكرمني أي فضلني بما أعطاني فيرى الإكرام في كثرة الحظ من الدنيا ، وإذا امتحنه بالفقر فقدر عليه رزقه ليصبر ، قال: ربي أهانني فيرى الهوان في قلة الحظ من الدنيا لأنه لا تهمه إلا العاجلة وما يلذه وينعمه فيها ، فرد عليه زعمه بقوله

{ كَلا } أي ليس الإكرام والإهانة في كثرة المال وقلته بل الإكرام في توفيق الطاعة والإهانة في الخذلان ، وقوله تعالى: { فَيَقُولُ } خبر المبتدأ الذي هو الإنسان ، ودخول الفاء لما في"أما"من معنى الشرط ، والظرف المتوسط بين المبتدأ والخبر في تقدير التأخير كأنه قيل: فأما الإنسان فقائل ربي أكرمن وقت الابتلاء ، وكذا { فَيَقُولُ } الثاني خبر لمبتدأ تقديره: وأما هو إذا ما ابتلاه ربه.

وسمى كلا الأمرين من بسط الرزق وتقديره ابتلاء لأن كل واحد منهما اختبار للعبد ، فإذا بسط له فقد اختبر حاله أيشكر أم يكفر ، وإذا قدر عليه فقد اختبر حاله أيصبر أم يجزع ، ونحوه قوله تعالى: { وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً } [الأنبياء: 35] (الأنبياء: 53) .

وإنما أنكر قوله { رَبِّى أَكْرَمَنِ } [الفجر: 15] مع أنه أثبته بقوله { فَأَكْرَمَهُ } لأنه قاله على قصد خلاف ما صححه الله عليه وأثبته وهو قصده إن الله أعطاه ما أعطاه إكرامًا له لاستحقاقه كقوله { إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِى } [القصص: 78] (القصص: 87) وإنما أعطاه الله تعالى ابتلاء من غير اسحقاق منه.

جزء: 4 رقم الصفحة: 520

{ الْمِسْكِينِ } أي بل هناك شر من هذا القول وهو أن الله يكرمهم بالغنى فلا يؤدون ما يلزمهم فيه من إكرام اليتيم بالمبرة وحض أهله على طعام المسكين { وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ } [الفجر: 19] أي الميراث { أَكْلا لَّمًّا } [الفجر: 19] ذا لم وهو الجمع بين الحلال والحرام ، وكانوا لا يورثون النساء ولا الصبيان ويأكلون تراثهم مع تراثهم { وَتُحِبُّونَ الْمَالَ } [الفجر: 20] يقال حبه وأحبه بمعنى { حُبًّا جَمًّا } [الفجر: 20] كثيرًا شديدًا مع الحرص ومنع الحقوق ، { رَبِّى } حجازي وأبو عمرو { وَلا } { يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ } [محمد: 12] { وَّيُحِبُّونَ } بصري { كَلا } ردع لهم عن ذلك وإنكار لفعلهم.

ثم أتى بالوعيد وذكر تحسرهم على ما فرطوا فيه حين لا تنفع الحسرة فقال { إِذَا دُكَّتِ الارْضُ } [الفجر: 21] إذا زلزلت { دَكًّا دَكًّا } [الفجر: 21] دكًا بعد دك أي كرر عليها الدك حتى عادت هباء منبثًا.

{ وَجَآءَ رَبُّكَ } [الفجر: 22] تمثيل لظهور آيات اقتداره وتبيين آثار قهره وسلطانه ، فإن واحدًا من الملوك إذا حضر بنفسه ظهر بحضوره من آثار الهيبة ما لا يظهر بحضور عساكره وخواصه ، وعن ابن عباس: أمره وقضاؤه { وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا } [الفجر: 22] أي ينزل ملائكة كل سماء فيصطفون صفًا بعد صف محدقين بالجن والإنس { وَجِا ى ءَ يَوْمَـاـاِذٍ بِجَهَنَّمَ } [الفجر: 23] قيل: إنها برزت لأهلها كقوله: { وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ } [الشعراء: 91] (الشعراء: 19) .

وقيل: هو مجرى على حقيقته ففي الحديث"يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها" { يَوْمَـاـاِذٍ يَتَذَكَّرُ الانسَـانُ } [الفجر: 23] أي يتعظ { وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى } [الفجر: 23] ومن أين له منفعة الذكرى؟ { يَقُولُ يَـالَيْتَنِ قَدَّمْتُ لِحَيَاتِى } هذه وهي حياة الآخرة أي يا ليتني قدمت الأعمال الصالحة في الحياة الفانية لحياتي الباقية.

جزء: 4 رقم الصفحة: 520

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت