فهرس الكتاب

الصفحة 1091 من 1092

وتخليقه كافيًا أولًا ، فإن كان كافيًا كان الآخر ضائعًا غير محتاج إليه وذلك نقص والناقص لا يكون إلهًا ، وإن لم يكن كافيًا فهو ناقص.

ولأن العقل يقتضي احتياج المفعول إلى فاعل والفاعل الواحد كافٍ وما وراء الواحد فليس عدد أولى من عدد فيفضي ذلك إلى وجود أعداد لا نهاية لها وذا محال.

فالقول بوجود إلهين محال ، ولأن أحدهما إما أن يقدر على أن يستر شيئًا من أفعاله عن الآخر أو لا يقدر ، فإن قدر لزم كون المستور عنه جاهلًا ، وإن لم يقدر لزم كونه عاجزًا.

ولأنا لو فرضنا معدومًا ممكن الوجود فإن لم يقدر واحد منهما على إيجاده كان كل واحد منهما عاجزًا والعاجز لا يكون إلهًا ، وإن قدر أحدهما دون الآخر فالآخر لا يكون إلهًا ، وإن قدرًا جميعًا فإما أن يوجداه بالتعاون فيكون كل واحد منهما محتاجًا إلى إعانة الآخر فيكون كل واحد منهما عاجزًا ، وإن قدر كل واحد منهما على إيجاده بالاستقلال فإذا أوجده أحدهما فإما أن يبقى الثاني قادرًا عليه وهو محال ، لأن إيجاد الموجود محال ، وإن لم يبق فحينئذ يكون الأول مزيلًا قدرة الثاني فيكون عاجزًا ومقهورًا تحت تصرفه فلا يكون إلهًا.

فإن قلت: الواحد إذا أوجد مقدور نفسه فقد زالت قدرته فيلزمكم أن يكون هذا الواحد قد جعل نفسه عاجزًا.

قلنا: الواحد إذا أوجد مقدور نفسه فقد نفذت قدرته ، ومن نفذت قدرته لا يكون عاجزًا ، وأما الشريك فما نفذت قدرته بل زالت قدرته بسبب قدرة الآخر فكان ذلك تعجيزًا.

جزء: 4 رقم الصفحة: 569

{ اللَّهُ الصَّمَدُ } [الإخلاص: 2] هو فعل بمعنى مفعول من صمد إليه إذا قصده ، وهو السيد المصمود إليه في الحوائج.

والمعنى هو الله الذي تعرفونه وتقرون بأنه خالق السماوات والأرض وخالقكم ، وهو واحد لا شريك له ، وهو الذي يصمد إليه كل مخلوق ولا يستغنون عنه وهو الغني عنهم { لَمْ يَلِدْ } [الإخلاص: 3] لأنه لا يجانس حتى تكون له من جنسه صاحبة فيتوالدا ، وقد دل على هذا المعنى بقوله: { أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَـاحِبَةٌ } [الأنعام: 101] (الأنعام: 101) { وَلَمْ يُولَدْ } [الإخلاص: 3] لأن كل مولود محدث وجسم وهو قديم لا أول لوجوده إذ لو لم يكن

قديمًا لكان حادثًا لعدم الواسطة بينهما ، ولو كان حادثًا لافتقر إلى محدث ، وكذا الثاني والثالث فيؤدي إلى التسلسل وهو باطل.

وليس بجسم لأنه اسم للمتركب ولا يخلو حينئذ من أن يتصف كل جزء منه بصفات الكمال فيكون كل جزء إلهًا فيفسد القول به كما فسد بإلهين ، أو غير متصف بها بل بأضدادها من سمات الحدوث وهو محال { وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدُ } [الإخلاص: 4] ولم يكافئه أحد أي لم يماثله.

سألوه أن يصفه لهم فأوحى إليه ما يحتوي على صفاته تعالى ، فقوله: { هُوَ اللَّهُ } [الإخلاص: 1] إشارة إلى أنه خالق الأشياء وفاطرها ، وفي طي ذلك وصفه بأنه قادر عالم لأن الخلق يستدعي القدرة والعلم لكونه واقعًا على غاية إحكام واتساق وانتظام ، وفي ذلك وصفه بأنه حي لأن المتصف بالقدرة والعلم لا بد وأن يكون حيًا ، وفي ذلك وصفه بأنه سميع بصير مريد متكلم إلى غير ذلك من صفات الكمال ، إذ لو لم يكن موصوفًا بها لكان موصوفًا بأضدادها وهي نقائص وذا من أمارات الحدوث فيستحيل اتصاف القديم بها ، وقوله: { أَحَدٌ } وصف بالوحدانية ونفي الشريك ، وبأنه المتفرد بإيجاد المعدومات والمتوحد بعلم الخفيات ، وقوله: { الصَّمَدُ } وصف بأنه ليس إلا محتاجًا إليه وإذا لم يكن إلا محتاجًا إليه فهو غني لا يحتاج إلى أحد ويحتاج إليه كل أحد ، وقوله { لَمْ يَلِدْ } [الإخلاص: 3] نفي للشبه والمجانسة ، وقوله { وَلَمْ يُولَدْ } [الإخلاص: 3] نفي للحدوث ووصف بالقدم والأولية.

جزء: 4 رقم الصفحة: 569

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت