فهرس الكتاب

الصفحة 811 من 1092

{ أَوَلَمْ يَرَ الانسَـانُ أَنَّا خَلَقْنَـاهُ مِن نُّطْفَةٍ } مذرة خارجة من الإحليل الذي هو قناة النجاسة { فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مٌّبِينٌ } [النحل: 4] بين الخصومة أي فهو على مهانة أصله ودناءة أوله يتصدى لمخاصمة ربه وينكر قدرته على إحياء الميت بعد ما رمت عظامه ، ثم يكون خصامه في ألزم وصف له وألصقه به وهو كونه منشأ من موات وهو ينكر إنشاءه من موات وهو غاية المكابرة { وَضَرَبَ لَنَا مَثَلا } [يس: 78] بفته العظم { وَنَسِىَ خَلْقَهُ } [يس: 78] من المني فهو أغرب من إحياء العظم ، المصدر مضاف إلى المفعول أي خلقنا إياه { قَالَ مَن يُحْىِ الْعِظَـامَ وَهِىَ رَمِيمٌ } هو اسم لما بلي من العظام غير صفة كالرمة والرفات ولهذا لم يؤنث ، وقد وقع خبرًا لمؤنث ومن يثبت الحياة في العظام ويقول إن عظام الميتة نجسة لأن الموت يؤثر فيها من قبل أن الحياة تحلها يتشبث بهذه الآية وهي عندنا طاهرة ، وكذا الشعر والعصب لأن الحياة لا تحلها فلا يؤثر فيها الموت.

والمراد بإحياء العظام في الآية ردها إلى ما كانت عليه غضة رطبة في بدن حي حساس { قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِى أَنشَأَهَآ } [يس: 79] خلقها { أَوَّلَ مَرَّةٍ } [التوبة: 13] أي ابتداء { وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ } [يس: 79] مخلوق { عَلِيمٌ } لا تخفى عليه أجزاؤه وإن تفرقت في البر والبحر فيجمعه ويعيده كما كان { الَّذِى جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الاخْضَرِ نَارًا فَإِذَآ أَنتُم مِّنْه تُوقِدُونَ } [يس: 80] تقدحون.

ثم ذكر من بدائع خلقه انقداح النار من الشجر الأخضر مع مضادة النار الماء وانطفائها به وهي الزناد التي تورى بها الأعراب وأكثرها من المرخ والعفار ، وفي أمثالهم"في كل شجر نار واستمجد المرخ والعفار"لأن المرخ شجر سريع

الوري ، والعفار شجر تقدح منه النار ، يقطع الرجل منهما غصنين مثل السواكين وهما خضراوان يقطر منهما الماء فيسحق المرخ ـ وهو ذكر ـ على العفار ـ وهي أنثى ـ فتنقدح النار بإذن الله.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما: ليس من شجرة إلا وفيها النار إلا العناب لمصلحة الدق للثياب ، فمن قدر على جمع الماء والنار في الشجر قدر على المعاقبة بين الموت والحياة في البشر ، وإجراء أحد الضدين على الآخر بالعقيب أسهل في العقل من الجمع معًا بلا ترتيب.

والأخضر على اللفظ وقريء الخضراء على المعنى.

جزء: 4 رقم الصفحة: 21

ثم بين أن من قدر على خلق السماوات والأرض مع عظم شأنهما فهو على خلق الأناسيّ أقدر بقوله { أَوَ لَيْسَ } في الصغر بالإضافة إلى السماوات والأرض أو أن يعيدهم لأن المعاد مثل للمبتدأ وليس به { بَلَى } أي قل بلى هو قادر على ذلك { وَهُوَ الْخَلَّـاقُ } [يس: 81] الكثير المخلوقات { الْعَلِيمِ } الكثير المعلومات { إِنَّمَآ أَمْرُهُ } [يس: 82] شأنه { إِذَآ أَرَادَ شيئا أَن يَقُولَ لَهُ كُن } [يس: 82] أن يكونه { فَيَكُونُ } فيحدث أي فهو كائن موجود لا محالة.

فالحاصل أن المكونات بتخليقه وتكوينه ولكن عبر عن إيجاده بقوله { كُن } من غير أن كان منه كاف ونون وإنما هو بيان لسرعة الإيجاد كأنه يقول: كما لا يثقل قول"كن"عليكم فكذا لا يثقل على الله ابتداء الخلق وإعادتهم ، { فَيَكُونُ } شامي وعلي عطف على { يَقُولَ } ، وأما الرفع فلأنها جملة من مبتدأ وخبر لأن تقديرها"فهو يكون"معطوفة على مثلها وهي"أمره أن يقول له كن" { فَسُبْحَـانَ } تنزيه مما وصفه به المشركون وتعجيب من أن يقولوا فيه ما قالوا { الَّذِى بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَىْءٍ } [يس: 83] أي ملك كل شيء.

وزيادة الواو والتاء للمبالغة يعني هو مالك كل شيء { وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } [البقرة: 245] تعادون بعد الموت بلا فوت ، { تُرْجَعُونَ } : يعقوب.

قال عليه الصلاة والسلام"إن لكل شيء قلبًا وإن قلب القرآن يس"،"من قرأ يس يريد بها وجه الله غفر الله له وأعطي من الأجر كأنما قرأ القرآن اثنتين وعشرين"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت