وكذلك نُصر - صلى الله عليه وسلم - بالرعب مسيرة شهر؛ قذف الله -عز وجل- في قلوب أعدائه الرعب منه ومن أصحابه، فكان إذا نزل بساحة قوم ساء صباح المنذرين، كما صرخ اليهود لما رأوا جيشه: (محمد والخميس محمد والخميس) ، الصبح هذه اللحظة المباركة التي جعلها الله -عز وجل- ميقات المغفرة وميقات فتح السماء وميقات مدّ الرب -عز وجل- يده ليتوب مسيء الليل، وهي ميقات حركة خيل الجهاد {والعَادِيَات ضَبْحًا * فالمورِيَات قَدْحًا * فالمغِيرَاتِ صُبْحًا} [العاديات 1/ 3] ، فهي تغير صبحًا، والنبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إنا إذا نزلنا بساحِ قوم فساء صباح المنذرين) [1] .
إذن مقام النبي - صلى الله عليه وسلم - مقامٌ عظيم، والله -عز وجل- اختصه على بقية الخلق بخصائص، وعلى بقية أمته بخصائص، وقد ألّف بعض أهل العلم كُتبًا في هذا، وإن كان قد أَكثروا فيها من الأحاديث الضعيفة؛ كما فعل القاضي عياض في كتابه (الشِّفا بتعريف حقوق المصطفى - صلى الله عليه وسلم -) ، والسيوطي في كتابه (الخصائص الكبرى) وغيرهم.
و منهم من كَتَبَ في دلائل النبوة، وذكر فيها بعض خصائصه، مثل أبي نعيم الأصفهاني كتب كتابًا في دلائل نبوة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكتب البيهقي كتابًا جليلًا عظيمًا واسعًا في دلائل النبوة، وذكر فيها ما اختص الله -عز وجل- به رسوله - صلى الله عليه وسلم -.
القصد أيها الإخوة، أن هذا النبي -عليه الصلاة والسلام- عظيم القدر، جليل الشرف، اختاره الله -عز وجل- لحمل الرسالة، وأكرمه وجعله رحمة مُهداة؛ أي رحمة أهداها الله -عز وجل- إلى الخلق، وسماه الله -عز وجل-"الرؤوف الرحيم"، فقال تعالى: {بالمؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيم} [البقرة/143] ، فقلبه رؤوف على أمته ورحيم عليهم.
وانظروا إلى ما كانت تصنع به أعداؤه، وما كان يصنع به قومه؛ عندما خرج إلى الطائف وأوذي، فنزل ملك الجبال يسأله: (مُرني فلأطبق عليهم الأخشبين) ، لكنه - صلى الله عليه وسلم - يقول: (لا) . يقول له: أأمرني فلأطبق على أهل مكة الأخشبين لأنهم هم سبب البلاء وهم سبب العذاب والنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: (بل أرجو أن يخرجَ اللهُ من أصلابِهم من يعبدُ اللهَ وحدَه، لا يشركُ به شيئًا) [2] ، وصبر عليهم، وأوذي في الله -عز وجل- وكان يدعو لهم.
(1) صحيح البخاري: (2945) .
(2) صحيح مسلم: (1795) .