بسم الله الرحمن الرحيم، إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلله فلا هادي له، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين وعلى صحبه الغر الميامين وعلى من تبعهم بإحسان وهدى إلى يوم الدين، جعلنا الله -عز وجل- وإياكم منهم. آمين.
فقد كلف الله -سبحانه وتعالى- رسوله محمدا - صلى الله عليه وسلم - بحمل هذه الرسالة الجليلة الشريفة -رسالة الإسلام- إلى الناس كافة، وإن من يحمل مثل هذه الرسالة لا بد أنّ له من الخصائص ما يتميز به عن غيره من بقية الخلق؛ فالرسالة اصطفاء بإجماع أهل الملة؛ ولم يشذ عن هذا القول إلا بعض الصوفية حيث زعموا أن الرسالة إنما تحصل بكثرة الاجتهاد والطاعة، ومن تأثر بهم من فلاسفة الإشراق، فإنهم يزعمون أن المرء إذا صفى باطنه وجاهد نفسه يمكن أن يحصل على ما حصل عليه الأنبياء، وهذا كفر بالله -عز وجل-، فإن المرء مهما جاهد نفسه وبَذَل في إصلاحها فإنه لن يصل إلى ما وصل إليه الأنبياء، لا بالحصول على المعارف والعلوم، ولا بالحصول على الصلاح والتقوى.
وفُتِن الإمام ابن حبان أبو حاتم المفتي صاحب الصحيح (صحيح ابن حبان) المسمى (التقاسيم والأنواع) ، هذا الإمام إمام جهبذ عظيم من أجلّة عُلماء الحديث، صار إليه عِلم الحديث وفَنُّه، وكتب فيه الكتب، منها المشهور بالصحيح (صحيح ابن حبان) ، وكتب في الرجال؛ فله الكتاب الفرد الذي لا يشبهه كتاب لكثرة ما فيه من نقد وعلم وهو (الثقات) ، وله كتاب آخر كتاب (المجروحين) ، وله كتاب يسمى (بروضة العقلاء) فيه من الآداب وأخبار الأدب والتربية ما يحتاج إليها السالك لربه.
فمرة قال في بعض دروسه:"إنما النبوة العلم والعمل"، فظن بعضهم أن المقصود بقولته هذه هو عين ما تقوله فلاسفة الإشراق الذين حكم أهل العلم بكفرهم، كابن سينا في (المباحث المشرقية) وكذلك الفارابي وغيرهم؛ فهؤلاء زعموا أن الأنبياء أُعطوا ما أُعطي لفلاسفة الحكمة من القدماء كأرسطو وسقراط وأفلاطون وأشباههم.