ثم جاء عثمان ذو النورين، هذا رجل عجيب؛ فأول سنتين من خلافته أَنسَى فضلَ عمر، عبد الله ابن عمر يقول:"صاروا يقدمونه ويفضلونه على عمر"، وذلك لأن عمر كان يقيدهم، وعثمان أتى ببيت المال وفتحه؛ فأولًا: في عصره كثُر دخول الموالي والعجم في الإسلام، وثانيًا: كان لينًا مع الناس لينًا من غير ضعف ومن غير هزيمة، ولكنه لينُ رجلٍ محب للناس.
ففتح للناس الأموال وأرخى العصا التي كان يقيدهم بها عمر، وجيش الإسلام يضرب في المشرق والمغرب؛ فجلس -كما وصف النبي - صلى الله عليه وسلم - جلسة الرجل المتكئ على أريكته، وما بدأت الفتن إلا بعد عامين من توليه، فبطر الناس، ودخل المنافقون -على طريقة شاول اليهودي- [1] .
(1) تسمعون بشاول كيف غيَّر النصرانية؟ باختصار؛ كان شاول من مجلس يسمى مجلس السنهدرين أنشأه اليهود في إيلياء -بيت المقدس-، فبدأت تنتشر دعوة عيسى -عليه السلام- إلى التوحيد، وبدأ الناس يخرجون من اليهودية إلى الإسلام الذي جاء به عيسى -عليه السلام-، فكيف يغيرون؟ فشاول حمل فرمانًا من بيت المقدس إلى دمشق فيه أسماء مجموعة من الموحِّدين من أجل أن يقتلهم والي دمشق الرومي، فقبل أن يدخل دمشق ونزل في بلدة هناك تسمى"داريا"أو"دار الرؤيا"، نزل هناك ونام واستيقظ في الصباح وزعم أن عيسى -عليه السلام- جاءه وقال له: لماذا تقتل أبنائي وأتباعي؟ فأسلم شاول وغير اسمه من شاول إلى بولس، فدخل دمشق مسلمًا تاركًا اليهودية، وبدأ يمشي مع الحواريين يدعو إلى المسيحية. الحواريون شكّوا فيه، فقام ومعه من وثق به -برنابا وسمعان-واسمه سمعان الصفا أو شمعون كما يسمونه أو يسميه النصارى اليوم بطرس، لماذا بطرس؟ لأن هناك نصًا في الإنجيل يقول لعيسى -عليه السلام-:"كن أنت بطرس ياء التي تقوم عليها كنيستي"، بطرس ياء يعني الصخرة. شك فيه مجموعة من الحواريين ولكنه بدأ يمشي معهم، فمشى شاول مع سمعان ومع برنابا للدعوة، وصلوا لأنطاكيا وانفصلوا، واحد ذهب لجهة البحر في قبرص، وواحد بقي هناك، وشاول بقي ماشيًا يدعو إلى التوحيد حتى دخل روما، وهناك بدأ يدعو إلى ما دعا إليه النصارى وما دعا إليه ابن السوداء عبد الله بن سبأ اليهودي، وهو أن عيسى ما مات ولكنه سيرجع وأنه فيه شِقّ الهي، وأن عيسى ابن الله، وبدأ يدعو لهذا، ولإسقاط التكاليف، وبدأ يدعو في روما إلى الدين الجديد على أنه من أتباع عيسى -عليه السلام-، وأهل روما كانوا على الوثنية كانوا على فلسفة الإغريق القديمة، فبدأ يدعو إلى الوثنية تحت شعار المسيحية؛ أي أتباع عيسى -عليه السلام-. فسمع سمعان بطرس -رضي الله عنه- بالخبر، وبرنابا سمع بالخبر وأرسل رسائل لأهل روما يكذِّب دعوة شاول بولس، أما سمعان فمشى أكثر من أربعين يومًا وبعضها مشاها حافيًا حتى دخل روما؛ من أجل أن يبين كذب شاول؛ من أجل أن يبين الدين الصحيح، فدخل والأخبار تقول بعد أسبوع قُتل، كيف قتل؟ قام حاكم روما فأعدمه، وبدأت الدعوة إلى التثليث، إلى الكفر النصراني من روما، وبقي الأمر في صراع حتى جاء قسطنطين الذي يسمونه (القديس قسطنطين) ، وفي الحقيقة النصارى يقولون أنه عُمِّد وهو على فراش الموت والصواب أنه مات وثنيًا، وأمه هي التي اسمها القديسة هيلانا، وبقي حتى جاء وتبنى النصرانية الوثنية، وبدأ بقتل الموحدين الذين في المشرق وإبادتهم، مما اضطرهم إلى الصعود إلى الجبال، ثم في سنة 125 م وما تلاها، أقيمت عدة مجامع في فينيقيا من أجل تقرير ما هو الدين الصحيح؛ لأنه بقيت معابد في الإسكندرية تقريبًا آخر معابد الموحدين ومساجدهم تدعو إلى الوحدانية، وكان آخرهم من يسمى أريوس، الذي قامت المجامع من أجل تقرير هل عيسى بشر أم إله؟ فخرج لهم قسطنطين وقال لهم: حلوها المشكلة نصف بشر ونصف إله! فبدل أن يجتمعوا وكانوا قد دخلوا بمذهبين فخرجوا بثلاثة، قصة طويلة. طبعًا في أول مجمع 125 للميلاد ما أعجب الوثنيين أن يخرجوا منهزمين، فأقاموا مجمعًا آخر، وأُعلن ضلال أريوس، وحُمل إلى سيبيريا، ورُمي في الثلج هناك حتى مات.