فهرس الكتاب

الصفحة 174 من 274

ما هو المال الحرام عند المعتزلة؟ الآن هل يمكن في شرعنا أن يأكل المرء مالًا حرامًا؟ نعم، لكن هل هذا الحرام قدَّره الله بمعنى علمه فكتبه فأراده فخلقه؟ نعم، فلا يقع في الدنيا إلا الأمر القدري، لا يقع إلا ما قدَّره الله. لكن هل يمكن في الدنيا أن يقع خلاف الأمر الشرعي؟ ممكن. فإذًا الإنسان لما أكل مالًا حرامًا وافق الأمر القدري، لكن خالف الأمر الشرعي.

واحد رمى نفسه من الطابق العلوي، هذا وافق الأمر القدري، يعني الله علم أنه سيرمي بنفسه، وكتبه، وشاءه {وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} لا يقع شيء إلا بإذنه. وخلقه، هذا الفعل مخلوق من مخلوقات الله. والذي عمله على الحقيقة وفعله بإرادته هو الإنسان، لكن هذه الإرادة لا يمكن أن تكون إلا بعد أن يأذن الله بالإرادة. هل هذا الإذن أجبرها على الحدوث؟ لا، لم يجبرها لكنها لم تقع إلا بإذنه، {وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} .

هم لا يقولون: إن الله يريد هذا، بل إن الإنسان حين يأكل الحرام أكل ما لا يريده الله، يعني أراد الله منه (الإرادة الكونية) ألا يأكل هذا الطعام، فأكله ضد إرادة الله، فهنا وقعت المعصية.

فما هو رزق الإنسان؟ هل يمكن للإنسان عند المعتزلة ألا يأكل رزقه؟ نعم. هل يمكن للإنسان ألا يعيش عمره؟ نعم. مثل قصة الحمار التي قلتها لكم سابقًا، قال: اللهم إنك أردت ألا يُسرق فسُرق، اللهم فرُدَّه عليه، فقال له: قبَّحك الله آيستني منه، أراد الله ألا يسرق فسُرق والآن يريد أن يرجع فلا يرجع!

إذًا المعتزلة ما هي المعصية عندهم؟ مخالفة الأمر القدري -الذي هو عندهم الأمر الشرعي-، ولذلك الحقيقة الكونية والحقيقة الشرعية عند المعتزلة متطابقة، فيجعلون الحقيقة واحدة: هي الشرعية.

إذا فهمتم هذا، من هم الجبريَّة؟ رجل اطَّلع على رجل يسرق قال له: قبَّحك الله أتسرق؟ فقال له: قبَّحك الله أنا أسرق فأعصي، أما أنت فعلى مذهب ابن عباس؟ يعني مذهب ابن عباس عنده المذهب القدري؛ أراد الله مني أن أسرق فسرقت.

فإذًا المعصية عند الجبري تقع على أي معنى؟ على معنى الحقيقة الكونية. والحقيقة الكونية مع الحقيقة الشرعية عندهما حقيقة واحدة هي الحقيقة الكونية؛ فلا يمكن للإنسان أن يعمل إلا بمشيئة الله. والمشيئة عند المعتزلة المشيئة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت